عملتها يا رفيق !!

single

كان صديقي ورفيقي أبو سلام إميل حبيبي (1921-1996) كاتباً كبيراً وخطيباً شهيراً وسياسياًّ قديراً ، وكان له حضور بارز في كل محفل ، فإذا شارك في مؤتمر أو مهرجان أو محاضرة أو ندوة أو مجلس ترك وراءه أثراً واضحاً مثل قول أو طرفة أو نكتة أو حركة يتحدث الناس بها ويذكرونها وينقلونها ويرددونها لأيام وربما لأشهر أو لسنوات.
 كتب إميل حبيبي خمسة أعمال أدبية هي: " سداسية الأيام الستة وقصص أخرى " و " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" و  المشهور باسم " المتشائل " ثم " لكع بن لكع " حكاية مسرحية و " اخطيّة " و " سرايا بنت الغول " وهما روايتان ، كما كتب آلاف المقالات السياسية في صحيفة "الاتحاد" الحيفاوية ، وكانت هذه المقالات تظهر في الصحيفة صباح كل يوم جمعة في زاوية اسمها "أسبوعيات" ويوقعها باسم "جهينة" وهو اسم كريمته التي صارت فنانة تشكيلية. وكانت زاوية "أسبوعيات" مقروءة وتمتاز بخفة ظل كاتبها وبشجاعة قلمه وبحدّته والويل ثم الويل لمن "يعلق" معه من بن غوريون والملك فاروق حتى أصغر رجعيّ عربيّ في قرية نائية في الجليل أو المثلث فالأسبوعيات سوف تجرحه وتشرّحه وتلعن "سنسفيل" أهله.
وكان الرجل معجباً بما يكتبه ومتعصباً له ولا يحتمل النقد ولو جاءه من الناقد المجري الماركسي الشهير جيورجي لوكاتش ، وكانت علاقته مع بعض الأدباء والنقاد والقراء تتوقف على مواقفهم وآرائهم من نتاجه الأدبي ، وعندما اتهمته ذات مرة في خلال حديث بيننا بالنرجسية ردّ عليّ بهدوء: المبدع نرجسيّ بطبعه. وأظنّ أنّ أبا سلام كان يتمثّل بقول أبي الطيب المتنبي:
إن أكن معجباً فعجبُ عجيبِ       
                            لا يرى فوق نفسه من مزيدِ
حينما أصدر " لكع بن لكع " في العام 1980 دعاني لتناول طعام الغداء في بيته في مدينة الناصرة مع الصديقِ الدمث الكاتب محمد البطراوي والكاتبة الروائية المعروفة سحر خليفة اللذين قدما من رام الله ، وبعد أن أكلنا السمك الشهيّ وشربنا ما شئنا من الشراب قال: أكلتم وشربتم. صحتين. والآن لنسمع آراءكم في الكتاب. قلتُ متعمداً حسن التخلّص: سوف أنشر رأيي في صحيفة "الاتحاد" وأما سحر خليفة فتعمدت أن تثيره وتغضبه فقالت: قرأت عشر صفحات من الكتاب ومللتُ فرميته جانباً ثم حاولتُ بعد أيام فقرأتُ أربع عشرة صفحة ورميته جانباً.
غضب إميل حبيبي ولم تنتهِ الجلسة على خير.
وفي أحد الأيام ضاق ذرعاً مني بعدما ناقشته في نص أدبيّ له وخرجتُ من مكتبه في شارع الحريري في حيفا وقد قررتُ ألا أناقشه فيما بعد بأي عمل أدبي له ، وألا أبدي رأياً في نص له ، وبعد أيام زرتُ صديقي ورفيقي د.إميل توما ، المؤرخ الكبير والمفكر المعروف ، رئيس تحرير مجلة "الجديد" في مكتبه في شارع صهيون في حيفا. وهذا الشارع يحمل اسم عائلة عربية فلسطينية حيفاوية عريقة هي عائلة صهيون التي لا علاقة لإسمها بهرتسل أو بالصهيونية من قريب أو بعيد ، وحدثتُ إميل توما عن النقاش الذي دار بيني وبين أبي سلام وعن مدى اعجاب الرجل بما يكتبه. ابتسم إميل توما وقال لي: حينما كنتُ رئيساً لتحرير "الاتحاد" (هو أول رئيس تحرير للجريدة التي صدرت في أيار 1944 وما زالت تصدر يومياً حتى الآن) وكان إميل حبيبي عضواً في هيئة التحرير ويكتب مقالاً أسبوعياً ويقول بأنّ عشرات بل مئات القراء يبدون إعجابهم بكل مقال له. وذات مرة كتب مقاله الأسبوعي وناولني إياه وغادر المكتب ولأسباب فنية قاهرة اضطررتُ لتأجيل نشره للأسبوع القادم. وفي صباح اليوم التالي وحينما كنتُ جالساً في مكتب التحرير وصل أبو سلام متأخراً وقبل أن يجلس قال: لا تؤاخذني على التأخر يا رفيق لأنّ عشرات القراء أوقفوني في الطريق لعبروا لي عن إعجابهم بالمقال.
وأضاف إميل توما: لم أنبس ببنت شفة ولكني راقبته وهو يجلس على مقعده ويتناول عدد الجريدة ويبحث عن المقال الذي لم يُنشر ثم حدقّ بي وقال: عملتها  يا رفيق!؟

قد يهمّكم أيضا..
featured

كنّا....وما زلنا !

featured

القوة المجرَّبة والمجرِّبة، المبدئية والمسؤولة

featured

مِنْ والى الجنوب عبر طائرة أيوب

featured

أمريكا لم تتعلّم من 11 أيلول

featured

بلورة برنامج عمل وطني، مهمة المرحلة

featured

يتغنَّون بعيوبهم وجرائمهم علانية!

featured

لو كنتم بشراً، لاعتذرتم