لا يمكن ان نتجاهل الشرخ الداخلي المستشري في مجتمعنا ولا يمكننا ان نتوقع من المؤسسة الحكومية والبرلمانية الاسرائيلية ان تتعامل مع هذا الشرخ القيمي والتنظيمي والفكري. وعلينا ان نعي اننا لسنا محصنين أمام الشرخ القيمي الذي تعاني منه المنطقة العربية والذي أودى بها الى حرب أهلية تدمر الاخضر واليابس من سوريا الى اليمن وليبيا والسودان
علينا ان نساهم في خلق تحالفات تتعدى اليسار الاشكنازي الصهيوني التقليدي وتتواصل مع مجتمعات مهاجرة، جزء منها لا ينتمي الى الشعب اليهودي مثل قسم من المهاجرين الروس ولكنه يدعم حزب "يسرائيل بيتينو" لاسباب مختلفة منها ان لا بديل روسي أمامهم سوى ليبرمان، وهذا ما يحدث مع تصويت اليهود من أصول عربية المصوتين لشاس و"كلنا" في الانتخابات الاخيرة
بعد الانتهاء من تشكيل القائمة المشتركة أصبحت مهمة بلورة المشروع الجماعي للجماهير الفلسطينية الذي سنتفق عليه أهم مهام القيادات والمؤسسات على أنواعها. أصبح من المَعيب ان نتوانى عن بلورة تصور مشترك يحركنا داخل وخارج البرلمان الاسرائيلي. لا يمكن المماطلة في بلورة هذا المشروع الجماعي لمواجهة التحديات المجتمعية والاسرائيلية والاقليمية وفي ظل الانهيار القيمي الداخلي الذي نعاني منه والهجوم المتوقع على جماهيرنا العربية من قبل اليمين المستوطن.
رفعت القائمة المشتركة سقف توقعات الجماهير العربية من الاداء الجماعي للاحزاب والسلطات المحلية والجمعيات وحتى القطاع الخاص. ومن يعرف آلية تشكيل القائمة المشتركة يعلم ان تشكيل القائمة، فرض علينا بسبب رفع نسبة الحسم، ولم نتمكن منذ بلورة هذه القائمة ان نخصص الوقت المطلوب لبلورة المشروع المشترك المتوقع من هذه القائمة في المرحلة القادمة. أصبح من المهم ان تتفق الاحزاب السياسية والمؤسسات الدينية والاهلية والمحلية على رؤيا مشتركة لقيادة لجنة المتابعة ولجنة الرؤساء وباقي المؤسسات الوطنية الهامة العاملة في التعليم والتخطيط والرفاه والمرافعة القانونية والبرلمانية والدولية والاعلامية. بلورة هذا المشروع الجماعي تخرجنا من حال رد الفعل الى المبادرة الايجابية التي ستفرض آلية تطوير العمل الجماعي على كافة الصعد. هذا هو التصرف المطلوب والمتوقع من القيادة السياسية والمجتمعية التي تلتصق بتوقعات الجماهير الفلسطينية محليا وتوقعات باقي أجزاء الشعب الفلسطيني وحتى العالم العربي والاجنبي. فحجم التوقعات محليا وفلسطينيا وعربيا ودوليا يتطلب منا بلورة وتنفيذ مشروع متكامل يحترم التنوع الفكري ولكنه يفرض خطابا وواقعا جديدا في البلاد والمنطقة.
*التحديات المجتمعية*
لا يمكن ان نتجاهل الشرخ الداخلي المستشري في مجتمعنا ولا يمكننا ان نتوقع من المؤسسة الحكومية والبرلمانية الاسرائيلية ان تتعامل مع هذا الشرخ القيمي والتنظيمي والفكري. وعلينا ان نعي اننا لسنا محصنين أمام الشرخ القيمي الذي تعاني منه المنطقة العربية والذي أودى بها الى حرب أهلية تدمر الاخضر واليابس من سوريا الى اليمن وليبيا والسودان.
نشهد يوميا حوادث الاقتتال واطلاق الرصاص على خلفيات جنائية وسياسية ورياضية وتعجز القوى الوطنية والدينية عن مواجهة هذا العنف. وتنذر عمليات اغتيال مدير مدرسة في الطيبة او إطلاق الرصاص على مدرسين ومديرين ومنظمي ماراثون الى عمق الازمة الاخلاقية التي نواجهها وقد يحصل تصعيد نحو اطلاق الرصاص على قيادات سياسية محلية او قطرية بسبب خلالفات فكرية.
نحن الجماهير العربية الفلسطينية في اسرائيل اول من يبحث عن حمايات لحرية التعبير عن الرأي ولكن بعضنا يصمت عن ممارسات قمع الحريات الفكرية والسياسية متذرعا بالدين والعادات. لا يمكننا كقيادات إسلامية او مسيحية او درزية او اهلية او حزبية ان نصمت على هذه الممارسات، وعلينا توضيح موقفنا الفردي والجماعي أمام كل من يحاول ان يقمع الحريات من خلال التكفير واطلاق الرصاص في الطيرة او على خلفية عرض موسيقي او مسرحي او تعليم كتاب في باقة الغربية او الناصرة وعكا. نحن من يطالب بالحريات ومن يدفع ثمن قمعها من قبل الاغلبية يجب ان لا نصمت عندما تقمع الحريات داخل مجتمعنا، وعلينا تثبيت قيم مختلفة ومنها على سبيل المثال احترام التنوع، المساواة، العدالة والحرية الى جانب باقي القيم التي نشرتها كافة الديانات السماوية.
استباحة دم الانسان والتكفير أصبحا لعنة المنطقة العربية وعلينا توضيح المسموح والممنوع في النقاش الفكري وعلينا ان نعمل على تذويت قيم واسلوب عمل راقٍ على الشارع، لا ان يفرض علينا البعض مشروعا غريبا عن مجتمعنا سيؤدي بنا الى الهاوية.
الحوار الداخلي بين الفئات الفكرية المختلفة وبالذات بين الحركة الاسلامية الشمالية وباقي مركبات القائمة المشتركة والسلطات المحلية العربية والمؤسسات الاهلية الدينية والعلمانية، تتطلب تخصيص الوقت والموارد لبلورة تصور جماعي يتطرق للمواضيع المختلفة ويخلق آليات عمل مختلفة عن تلك التي اتبعناها في السنوات الاخيرة، ليرتقي علمنا الجماعي الى مرحلة المبادرة بدل رد الفعل التلقائي الذي دفعنا وسندفع ثمنه مستقبلا.
*التحديات الاسرائيلية*
طرحت جماهيرنا العربية قضية التمثيل البرلماني على رأس سلم أولوياتنا السياسية ونجحنا في اعادة تنظيم التمثيل البرلماني ورفعنا نسبة المشاركة السياسية في الانتخابات الاخيرة. لا يكفي هذا التغيير لخلق التغيير المطلوب لانهاء مأساة شعبنا الفلسطيني عامة ومجتمعنا في الداخل. لا يكفي ان نحصل على 13 عضو كنيست او حتى 20 عضوًا لنخلق التغيير السياسي المطلوب لانهاء الاحتلال.
نجح تحالف الجماهير العربية مع ما يسمى "اليسار الاشكنازي الصهيوني" ما بين الاعوام 1992-1995 في خلق واقع جديد تم خلاله الاعتراف في منظمة التحرير الفلسطينية وتخصيص موارد للجماهير العربية، ومنها الاعتراف بجزء كبير من القرى غير المعترف فيها في الجليل، وهذه انجازات لا يمكن الاستهانة فيها ويجب التنويه اليها. وفي أعقاب هذه الانجازات قررت مؤسسات المستوطنين واليمين المتطرف استهداف القيادات السياسية للجماهير العربية وتم ملاحقة القيادة السياسية للجماهير العربية مثل الشيخ رائد صلاح ومحمد بركة وعزمي بشارة وعبد المالك دهامشة. وتستمر في هذه الايام جهود نزع شرعية القيادة السياسية للجماهير العربية على الرغم من نجاح القائمة المشتركة في تغيير الخطاب الاعلامي، ولعل تصريحات وزير الخارجية الاسرائيلي السابق افيغدور ليبرمان من الايام الاخيرة هي أفضل دليل على إصرار مؤسسات اليمين العنصري استهداف الجماهير العربية من خلال استهداف قياداتها.
يفشل اليسار الاشكنازي الصهيوني في تغيير انماط التصويت في الشارع اليهودي الاسرائيلي، في حين ينجح لبيد وكحلون وليبرمان في حصاد هذا الفشل الذريع والمتواصل لخدمة مشروع اليمين المستوطن. ويستفيد بنيامين نتنياهو واليمين العنصري، منذ عام 1999 ، من فشل اليسار الاشكنازي الصهيوني دون ان تتمكن جماهيرنا العربية من القيام بدورها التاريخي في تغيير المناخ السياسي في البلاد والذي سيساهم في إنهاء مأساة شعبنا الفلسطيني.
لجماهيرنا العربية دور هام ومصيري في تغيير الخارطة السياسية الاسرائيلية ولا يكفي لضمان هذا التغيير تنظيم الجماهير العربية وحصولنا ما بين 15-20 عضو كنيست، بل علينا القيام بدورنا في البحث والاستثمار في بدائل تنجح في تغيير الخارطة السياسية الاسرائيلية. هناك من يراهن مؤخرا على أبراهام بورغ ويتجاهل أنماط التصويت لدى اليهود الشرقيين (حوالي مليوني مصوت) والروس (حوالي 900 الف مصوت) والاثيوبيين (حوالي 200 الف مصوت) على الرغم من كونها اكثر المجموعات السكانية التي تغير أنماط تصويتها في السنوات الاخيرة.
يتطلب تغيير الخارطة السياسية الاسرائيلية ان ندرس دورنا الاستراتيجي والسياسي على المستوى العربي الداخلي وعلى المستوى اليهودي. فخطاب التحرر في جنوب افريقيا استهدف البيض وطالبهم بتغيير موقفهم ضد الابارتهايد ونجح الى جانب النضال الدولي والشعبي في التحرر من نظام الفصل العنصري. علينا تحليل المجتمع اليهودي ومرافقة نضالنا الوطني والاجتماعي والسياسي ان نساهم في خلق تحالفات تتعدى اليسار الاشكنازي الصهيوني التقليدي وتتواصل مع مجتمعات مهاجرة، جزء منها لا ينتمي الى الشعب اليهودي مثل قسم من المهاجرين الروس ولكنه يدعم حزب "يسرائيل بيتينو" لاسباب مختلفة منها ان لا بديل روسي أمامهم سوى ليبرمان، وهذا ما يحدث مع تصويت اليهود من أصول عربية المصوتين لشاس و"كلنا" في الانتخابات الاخيرة. ولعل التصريحات العنصرية التي صدرت في أعقاب نتائج الانتخابات الاخيرة من اليسار الاشكنازي واليهود الشرقيين وما يعاني منه المهاجرون من اصول أثيوبية من عنصرية والانفجار الحاصل في علاقتهم من مؤسسات الدولة لهي مؤشر مهم على فرص تحرك لم نستكشفها كمجتمع يبحث تحالفات تساهم في تحرره من التمييز والعنصرية.
يتطلب التغيير السياسي في اسرائيل الاستمرار في تطوير الحراك السياسي للجماهير العربية الفلسطينية وتدعيم العمل الجماعي وبناء المؤسسات السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية الى جانب تدعيم المجموعات الاثنية التي قد تتبنى مواقف تقدمية في مجموعات الروس واليهود الشرقيين والمتدينين وحتى الاثيوبيين. علينا ان نقرأ الخارطة السياسية التي تؤكد في كافة المعارك الانتخابات الاخيرة اننا نحتاج الى 8 اعضاء كنيست لمنع اليمين العنصري من السيطرة على الحكومة في الانتخابات القادمة. لتحقيق هذا التغيير لا يكفي ان تحصل القائمة المشتركة على عضوين اضافيين بل نحتاج الى ضمان تغيير اوسع في المجتمع اليهودي، لا نستطيع تنفيذه مباشرة ولكننا نستطيع ان ندعمه بدل تضييع علاقاتنا ووقتنا وجهدنا على تغيير انماط التصويت في معسكر اليسار الصهيوني، كما يفعل البعض قبل وبعد الانتخابات الاخيرة.
*تحدِّيات دولية*
يتسع الاهتمام الدولي في مكانة وقدرة المجتمع الفلسطيني في البلاد حيث تتعمق لقاءات مؤسسات المجتمع العربي مع ممثلي المجتمع الدولي وتعرب قوى فلسطينية وعربية واسلامية ودولية عن اهتمامها في هذا المجتمع وخاصيته وتتعرف على قدراته وتبحث عن استثماره. فها هي الجامعات الاردنية والفلسطينية تستقطب آلاف الطلاب من الداخل واصبحت جماهيرنا المستثمر الاول في الاقتصاد الفلسطيني. وعلينا ان نتوقع تزايدًا في الاهتمام الدولي والعربي في هذا المجتمع خلال السنوات القادمة، وسيؤدي هذا الاهتمام الى تعميق التداخل المالي والسياسي لدعم التيارات الفكرية المتنوعة. ولهذا التدخل ثمن قد يصل الى الثمن الذي يدفعه الشعب السوري واليمني والفلسطيني اذا لم نقرر وضع المصلحة الجماعية لمجتمعنا فوق المصلحة الحزبية الضيقة. فبناء الاحزاب السياسية في هذه المرحلة هو أولوية مركبات لجنة المتابعة العليا وعلينا تشجيع المؤسسات الحزبية بذل الجهد المطلوب لبلورة الرؤيا الجماعية وبناء المؤسسات الوطنية.
وفي تحليل عميق للمبادرات الامريكية والعربية والاسلامية والاوروبية نرى محاولات اليمين الاسرائيلي تعميق تهميش الجماهير العربية وفي بعض المبادرات يتم التضحية بهذه الشريحة على طاولة المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية. فالموقف الامريكي المعلن الداعم "للدولة اليهودية" قد يصبح موقف المبادرة الاوروبية الفرنسية وحتى موقف الامم المتحدة بحال لم نقم بمسؤوليتنا لحماية حقوقنا الجماعية والفردية في داخل هذا الوطن الذي لا وطن لنا سواه.
في ظل هذه التحديات مطلوب من كل من يتحمل مسؤولية فردية تجاه مستقبل مجتمعنا ان يتحرك فورا لبلورة رؤيا وإعادة بناء المؤسسات الجماعية الى جانب المؤسسات الحزبية الهامة. ومن هذا المنطلق على العمل البرلماني ان يتكامل مع العمل الاهلي والديني والاقتصادي والمجتمعي والاعلامي والتربوي في بناء المشروع الجماعي الوطني الذي يتخطى المصالح الحزبية والخلافات الفكرية الشرعية.
(مدير مركز مساواة)
