"لَهَفِي عَلَى حَيْفَا"

single

الصورة: مسافرون عند مفرق شارع الحجاز وحاتم الطَّائي، مقابل محطَّة سكَّة حديد الحجاز، منطقة وادي الصَّليب في حيفا، ينتظرون قدوم القطار، فرع درعا حيفا، الذي تطوَّر بعد ازدهار الميناء فيها، فقد كانت غِلال قمح حوران تصلُ عن طريق هذه الخطِّ لتصديرها من ميناء حيفا، الذي كان على مقربة، إلى العالم. وكانت ترتكز في هذه المنطقة مخازن (قناطر) الحنطة والبقوليَّات، كذلك كانت هناك محطَّة للباصات تقلُّ المسافرين من حيفا إلى سائر مناطق الجليل أو إلى لبنان وسوريا. خطُّ القطار هذا متفرِّع عن خطِّ السِّكَّة الرَّئيسيِّ التي تصل بين دمشق والمدينة المنَّورة، في أرض الحجاز.

 


كتبتُ عن سقوط حيفا، في حلقتين منفردتيْن ومتتاليتيْن ومتسلسلتيْن، الشَّهر الماضي، متقمِّصًا شخصيَّة والدي الحبيب، أبي خالد، الذي دأب، بمثابرة جدِّيَّة واهتمام بالغ واجتهاد ناجح، أن يروي لنا حكايته يوم انتكبَت حيفانا وسقطت في هاوية، لا قاع لها غير تشابك أيدينا مع بعضنا البعض، وعن احتلال وكارثة بلادنا برمَّتها وكذلك اهتمَّ وواظبَ على تذكيرنا بأسماء سكَّان حيفاي ومكان سكناهم، وأين كانت تسكن عائلتنا، ويُردِّد لنا اسماء الجوامع والكنائس والمراتع والسَّاحات والحارات والشَّوارع والمدارس والحوانيت على أنواعها والحمَّامات والأفران ودور السِّينما، التي كانت عامرةً بأصحابها الاصليِّين، حين كان أهلُ البلاد قوَّامين على أملاكهم وممتلكاتهم وأوقافهم، يحكي لنا عنها في كلِّ مناسبة أو فرصة أو حتَّى كلَّما مررنا بمكان مهجور غطَّت حدائقه التي غصَّت بالورود الزَّنابق يومًا الاعشاب البريَّة أو مهدوم بهمجيَّة حاقدة أو مسكون بغريب..
إتَّصل بي بعض القرَّاء من رفاق لي وأصدقاء لم ألحظهم منذ زمن بعيد، وآخرون لا أعرفهم للإطراء والدَّعم والاستحسان على ما تحمله كتابتي من شجن وشوق وحنين لأيَّام زمان التي تبعد عنَّا خمسة وستِّين عامًا، وعلى ما يخطُّه قلمي من عِبَر وعَبَرات الذين عبروا الحدود ولم يعودوا بعد، ينتظرون عودتهم أو حُرِموا منها حتَّى لو  في كَفَن.
ولكنَّ السُّؤال الأجمل كان من زملائي الذين رافقوني في دراستي، وأترابي من أبناء حارتي أو من الذين كانوا مسؤولين عنِّي في دراستي في الخارج ليسألوني عن عُمري وكيف يمكِنني أن أتذكَّر تلك الأحداث وهل "عاصرتَ النَّكبة" لأنَّه لا يُمكنني أن أكتب "ذكرياتي" في فترة لم أعشْها! والصَّحيح أنَّها كُتِبت بناءً على ما سرده لي والدي وعمِّي أبي عائدة وما قرأته، ضمن اجتهادي الذَّاتي، عن تلك الحقبة التي ما زال جُرحها مفتوحًا نازفًا دمًا ومؤلِمًا كمديةٍ من نار، يكوي قلب الباقين والنَّازحين كيًّا ويعتصرُه شوقًا، ويذرفُ "دمعَه المهراق"..
لقد أرسل لي الرَّفيق وليد الحاج من النَّاصرة ما خطَّه والده، لُطف الحاج، بعد عامين من كارثة حيفا في مجلَّة "الرَّابطة" تحت عنوان "لهفي على حيفا"، التي
سكنها لمدَّة طويلة وسكنت في قلبه كحبل الوتين إلى أن توقَّف عن النَّبض بعد أن انقطع حبل الوريد وانتقل إلى جوار الرَّفيق الأعلى، إذ يُبيِّن للقارئ أنَّ حيفا هي "حيفاي" وأنَّ شوقه لحيفا هو شوقه لأهلها وناسها "فهي موطن أجدادي وأبي وأمِّي، فيها عاشوا وتحت ترابها يرقدون" وليس للأبنية أو للشَّوارع والحارات والأحجار والأشجار..
لكنِّي على ثقة أنَّه حتَّى الجماد والنَّبات والحيوان يعرف صاحبه وإن غاب، ينتظر عودته مع أنَّهم لم ينادوا، بعد، على النَّازحين أن يعودوا..
يُنهي مقالته:"..فسأظلُّ أبكيكِ وأبكي أهلَك. إنَّك ولو صرتِ أجمل مدن العالمِ لَتبقين سوداء في عيني ما دام أهلُك عنك بعيدين وفي شقاء وذلٍّ مقيمين"..
وهنا تحضُرني أشواق الفلسطينيِّ اللاجئ في اليرموك قضاء فيحاء الشَّام الصَّامدة التي وضعت لاجئينا في بؤبؤ عينها وحفظت لهم صوتهم ورائحتهم وشكلهم وانتماءهم وعزَّتهم وشرفهم في هذا الزمن العربي العميل والخؤون والخائن وما زال يدعم عودتهم إلى ديارهم "لأنَّ نداءَ الأرض..قاهر" حين يُغنِّي "يا توتة الدَّار صبرك عالزَّمان إن جار"، فحزنُنا على الدَّار والجار، والسُّكَّان والمكان ولا عودة عن حقِّ العودة.. 

قد يهمّكم أيضا..
featured

النساء والتحول الديمقراطي

featured

حول زيارة البابا تواضروس للقدس

featured

كل عيد زواج وأنت بخير

featured

فتّّشْ عن المصلحة!

featured

"هذا وطنّا واحنا هون"

featured

تكذيب نتنياهو بدأ من دوائره!

featured

وحدة وحدة وطنية