شعوذة المحمول

single

ما هو سر هذه القنبلة التواصلية التي انفجرت في مجتمعنا في السنين الأخيرة على حين غرة ، باستثماراتها المالية الضخمة وشركاتها العملاقة ، وحوانيتها المنتشرة كالدود في الدروب والأزقة ، وبمظاهرها الاستعراضية المتمثلة في غزو الهاتف المحمول لكل ردهات الفضاء العمومي بنا في ذلك المدارس والجوامع ، ولكل مستويات السلم الاجتماعي ؟ هل هي تلبية لحاجة موضوعية ماسة ؟ هل هي تعبير عن رغبات تواصلية عميقة كانت مكبوتة من قبل في النفوس ، وفي ثنايا المجتمع ، ثم وجدت مناسبة للتعبير عن ذاتها ، ذات نوع ، بشكل مناسب ؟ أم هي مجرد موضة خلقها نموذج تقني كوني وشركات تقنية ورساميل عابرة للقارات وإشهارات جذابة ، موضة تتضمن إشباعا للخيال المجنح والرغبة الجامحة أم ماذا؟
لاشك أن هذا الانفجار التواصلي ، الذي يعتبر الهاتف المحمول بطله الرئيسي ، استجابة لحاجات تواصلية موضوعية تيسيرا للأعمال والخدمات والنشاط الاقتصادي وغيره ، فالهاتف المحمول بالدرجة الأولى مرتبط بالنشاط الاقتصادي ، والتطور التقني الداهم ، وموضوع في خدمتهما أصلا ، لكن هناك بالتأكيد وظائف واستعمالات إضافية لحقته ، وأحيانا أصبحت هذه الأخيرة هي الاستعمالات الرئيسية له ، خاصة وأن سرعة انتشاره وغزوه لكافة الفئات والمستويات الاجتماعية سرعة استثنائية تتخطى سرعة التطور الاقتصادي وسرعة انتشار التقنيات الأخرى.
فما هو سر فائض القيمة الرمزي الذي اكتسبه الهاتف المحمول وأصبح يرمز إليه في مجتمع تداهمه العلاقات والقيم الرأسمالية بشكل شرس وتتضاءل فيه بالتدريج قيم التضامن العضوي وتكتسحه شيئية تقنية داهمة؟
ظهر الهاتف المحمول أول ما ظهر لدى الفئات الاجتماعية العليا التي كانت قادرة على أداء ثمنه وفاتورة استهلاكه بيسر ، ثم بدأ ثمنه في الانخفاض التدريجي ، فحدث نوع من التوازي المباشر بين انخفاض ثمنه وشيوع انتشاره في أسفل الهرم الاجتماعي ، وهكذا أصبح امتلاكه علامة رمزية على قدر من الارتقاء مع الفئات الأعلى في السلم الاجتماعي ، وامتلاكا متخيلا للوجاهة ، إضافة إلى ذلك ، نلاحظ أحيانا وكأن الأمر يتعلق بلعبة صالحة للكبار مثلما هي صالحة للصغار ، لعبة يختلط فيها عنصر المنفعة بعنصر الاستعمال التفاخري وبعنصر التسلية وتزجية الوقت وملء الفراغ والبحث عن الحميمة والقدرة السحرية ، فكثيرا ما يظهر وكأن هذا الشيء الغريب ، بجماليته وفتنته وبريقه وألوانه الزاهية وأرقامه وحروفه الراقصة وموسيقاه الساحرة ، بديل نفسي لمداولة لحظات القنوط ومشاعر الفرح والوحدة واللامعنى التي تداهم الناس في المجتمع العصري بين الفينة والأخرى.
تضاف إلى كل هذه الوظائف (التواصلية ، والرمزية ، والتفاخرية، واللهوية والنفسية والعلاجية...) قيمة أخرى تستجمع الوظائف السابقة وتشكل ما يمكن أن نسميه بالطابع السحري لهذه الأداة الألعوبة ، فهي بصغرها وبقدرتها السحرية الفعلية المتمثلة في استحضار أي شخص في أية بقعة قريبة أو نائية ، ومخاطبته أيا كان وفي أي وضع كان ، والإمساك به حيا في أي زمن وفي أي مكان يبدو أنها تنافس السحر بل ربما هي ، السحر عينه من حيث هو اختراق للأزمنة واختراق للأمكنة واستحضار للأجساد والأصوات والأرواح البعيدة ، فالمستعمل في الغالب لا يعرف التقنيات وطرائق تشغيل الجهاز ، ولا يعرف شبكاته المختلفة ، وهو في الأغلب الأعم على افتراض اكتسابه لمستوى علمي معين ، لا يعرف بالضبط ميكانيزم تشغيله ، مما يقوي من فرضية السحر في ذهنه.
لكن بالإضافة إلى بعد السحر هذا ، فإن هناك مفعولا آخر لايقل قوة هو السحر بمعنى الفتنة والافتتان الذي يمارسه المحمول على النفوس ، كان العلم قد قام في الأصل على مناهضة السحر واعتباره شيئا أدخل في باب الخرافة ، وهاهو العلم اليوم بما يتولد عنه من تطور تقني مذهل ، يعيد للسحر سحره ، ويجعل العلم التقني ذاته ضربا من السحر الساحر ، وهكذا تتقلص كليا تقريبا المسافة المعهودة بين العلم والسحر ، فهل كان السحر القديم يأمل شيئا أكثر من تقليص الأزمنة واختزال الأمكنة ، والتحويل الكيميائي للمواد ، ومخاطبة الأشخاص حيثما كانوا وأنى كانوا كما تفعل اليوم هذه الأعجوبة التقنية الجديدة التي يضفي استعمالها مساحة لا عقلانية على منتج هو نتيجة لتطور عقلاني في الأصل.

 

(شفاعمرو)

قد يهمّكم أيضا..
featured

على هامش إحياء يوم ترشيحا

featured

إفِّكت ليبرمان

featured

لسنا "وسطا بدويا"

featured

اعتبروا يا حكام

featured

لمواجهة وتكسير انياب الفاشية العنصرية !

featured

انفلات بوليسي بتعليمات "عُليا"!

featured

يجب التصدِّي للجاني لأننا كلنا ضحايا