الرفيق العزيز أبو ياسيلا: من الحبّ الى الحبّ تعود

single

ينتهي شهر أيلول بالثلاثين منه، وقبله بيومين تفارقنا يا رفيقنا الغالي! يا رفيق أبي ورفيق "أبو خالد" حنا دلة، ورفيق "أبو رمزي" و"أبو شحادة" و"أبو كريم" و"أبو جبر"، والرفاق "زادة والعبد رضا"، وكنا ننوي زيارتك والاحتفاء بك مع عائلتك يوم الثلاثين منه واخترناه لأنه يوم عيد- رغم أننا أهملناه وأهملنا أهميته التاريخية-  فهو يوم تأسيس فرع الحزب في كفر ياسيف، حين جرى في القرية وبالساعات الأولى منه في العام 1948 توزيع بيان الأحزاب الشيوعية العربية (بيان عصبة التحرر الوطني والأحزاب الشيوعية في لبنان وسوريا والعراق)، على بيوت القرية سراٌ. وهو البيان الذي فضح المؤامرة التي أدت الى تشريد شعبنا الفلسطيني عن وطنه والتي شارك فيها الاستعمار البريطاني والقيادة الصهيونية والقيادات العربية الرجعية. لكننا، لجهلنا، ظننا أن الوقت ينتظر برامجنا ووتيرة حياتنا التي لا تترك لنا مجال نفسٍ.
يأتي شهر أيلول فيجلب معه بعض الراحة لأرواحنا التي سئمت حرارة الصيف وينثر لنا، مغافلًا، بعض غيومٍ تتناثر في السماء فنظن أنّ الطقس الى جانبنا، ولكنه يأتي ليخدعنا، ففيه الحر والبرد معًا، كما فيه الحزن والفرح معًا، فلقد ظننّا أن الوقت وقت احتفاءٍ بك لكنه يخدعنا فيأخذك منا ليخيم علينا الحزن ويفيض الدمع ومعه يفيض الشوق والحنين.  
كيف لا أشتاق وبك رائحة أروقة نادي السلام ونادي الصداقة واجتماعات الكوادر وأول أيار والمهرجانات الشعبية؟
كيف لا أشتاق وبك من رائحة أبي؟
كيف لا أشتاق وحبر جريدة الإتحاد على كفيك الكادحتين، تبارك به كل من سلّمت عليه بصبيحة كل يومٍ تشرق فيه شمس كلمة الحزب وتشعّ على من قرأها من خلالك؟
كيف لا أشتاق إليك؟ كيف لا أحن إلى جلساتك معنا، قبل أكثر من ثلاثين سنةٍ، أنا ورفاق الشبيبة، تساعدنا على فهم الجريدة وتحثنا لنقرأها ونستزيد، ولعل الرفاق لا يعرفون، فقد غافلت الأساتذة وساعدتنا بحلّ وظائفنا المدرسية يوم حضرنا إلى نادي السلام لاجتماع اللجنة الطلابية وكنت هناك كالعادة؟
كيف لا نحنّ ونشتاق إلى من ألفت شوارع بلدنا دراجته وأصبحت كالعلامة الفارقة لرفيق الحزب الشيوعي المبتسم دائمًا، أحمر الوجنتين دائمًا، في جعبته لفة جرائد، يتوقف ويوقف الناس- وهو على الدراجة، رجلٌ واحدة على الأرض والأخرى على الدراجة،  ليحدثهم عن الحزب وعن الشيوعية وعن ما كتبه رفاقه بالجريدة في ذلك النهار.
في سنوات 1955 و 1956 برزت يا رفيقنا الحبيب ببطولتك في معركة أهالي كفرياسيف ضد القوائم السوداء إلى جانب رفيقك المرحوم يوسف شحادة ورفيقك منعم جريس. وكانت هذه أيام الحكم العسكري حين حاولت الحكومة بكل ما أوتيت من قوةٍ أن تعزل الشيوعيين عن باقي أهالي القرية الذين بدأوا يلتفون حولهم بسبب كفاحهم العنيد ضد الترحيل وضد الهويات الحمراء ومن أجل تحسين أسعار الزيتون والتبغ ومن أجل تأمين مياه الشرب للقرية.
كان الحزب دينك والجريدة كتابك. أحبك الناس يا أبا باسيلا! اعتادوا على قهقهتك المجلجلة! واعتادوا على لومك وعتابك لهم إن لم يبدوا معرفةً بما يجري حولهم ونصحتهم بأن يقرؤوا "الاتحاد" بعناد وإلحاح العارف بالأمور.
احتفينا بعيدك الثمانين بدار الصداقة قبل 16 عامًا! لا أنسى كم من الحب أعطيناك يومها وكم من الحب أرجعت لنا، غمرًا وتقبيلًا وعطفًا وضحكًا.
 وللأسف، تدهورت صحتك تدريجيًا وأصبحت تلازم الفراش، يحيطك ويعتني بك كل الأحباب، أبناؤك وبناتك المحبون والمحبات وزوجة الابن والحفيدات والأحفاد و"رنا".
صمدت كثيرًا، وصمتّ عن الكلام طويلًا، ليس باختيارك، بل بسبب المرض ولو استطعت الكلام لقلت لنا: أنا أحبّكم! ولو كنتم تحبونني حافظوا على الحزب وحافظوا على بعضكم بعضًا! زوروا الناس في بيوتهم. حدّثوهم عن الحزب ورسالته! حدثوهم عن مستقبلٍ أفضل وأعطوهم "الاتحاد".
من الحبّ الى الحبّ يا رفيقنا ورفيق أبي وجليس قعدات بيتنا الذي خلا منكما جسدًا ولكنه عامرٌ بكما روحًا وعامرٌ برؤيا وحلمٍ لأيلول أبهى!
من الحبّ الى الحبّ وعلى ميعادٍ لأيلول نجتمع فيه على ذكرى رفاقٍ فارقونا لعلنا نتعلم منهم، لعلّنا نعتبر!


قد يهمّكم أيضا..
featured

معارضة صارخة في خدمة الابتزاز السياسي !

featured

الآن بدأت تتكشف لهم الأمور؟!

featured

عُرسُكَ يا ربيع خالدٌ في أذهاننا ما حيينا

featured

برواية القعيد "الحرب في بر مصر" - نهاية الحروب وبداية عصر الكلام

featured

تشتُّت الخارطة السياسية الإسرائيلية،عوامل وتأثيرات (1- 5)

featured

كحلون ضد شرعية العرب وأصواتهم!

featured

غرس الشجر لاقتلاع البشر

featured

تقرير آخر سيطويه النسيان