جرافات "الصندوق القومي الاسرائيلي" تدمّر أرض عرب النقب تمهيدًا لتشجيرها!
*تجشير أراضي النقب لمنع العرب من استعمالها*
بالإضافة إلى الإجراءات الجائرة التي تتخذها السلطات الإسرائيلية لهدم بيوت العرب في النقب وإقصائهم عن أراضيهم، ابتكر "الصندوق القومي الإسرائيلي" طريقة جديدة لمنع العرب من استعمال الأراضي التي تحاول دولة إسرائيل السيطرة عليها في النقب، هي طريقة تشجير الأرض بأشجار تمنع عند اكتمال نموّها أي استعمال للأرض من قبل المواطنين العرب، مع أنهم كانوا يستعملونها زمنًا طويلاً ويؤكدون ملكيتها حسب مستندات رسمية. "الصندوق القومي الإسرائيلي" يقوم بهذا التشجير في مختلف المناطق العربية في النقب، بل إنه يدعو اليهود في أنحاء العالم إلى غرس الأشجار في النقب. وبرأيي لا يوجد أي أساس قانوني لهذا التشجير، وذلك لحجج قانونية عديدة أوجزها في هذا المقال.
أولا، من جهة الحقوق الإنسانية والدستورية، ليس هدف التشجير إلا منع العرب نهائيا من استعمال الأراضي المتنازع عليها مع دولة اسرائيل واقتلاعهم منها. أي أن الشجر الذي يُعدّ رمزًا للخير في هذا العالم، يُستعمل لترحيل العرب واقتلاعهم من أراضيهم. وفي هذا الشأن أستند أيضًا إلى مقال أكاديمي سيُنشر قريبا للبروفيسور غادي ألغازي يشرح فيه أن دولة إسرائيل استعملت دائمًا التشجير ليكون وسيلة سيطرة على الأراضي التي تريدها، ولم تستعلمه بدوافع بيئية أو طبيعية، وبذلك يكون التشجير وسيلة استعمارية بالأساس.
ثانيًا، من جهة حقوق الملكية للمواطنين العرب، يُستعمل التشجير في أراض لا تزال حتى يومنا هذا قيد إجراءات تسوية الأراضي ولا تزال مسألة ملكيتها عالقة في المحاكم، ولم تحسم ملكيتها إلى اليوم لصالح دولة اسرائيل. ومن هنا يهدف التشجير الى منح دولة إسرائيل قوة السيطرة على الأرض قبل ان تُفصَل مسألة الملكية، وهو ما يُعدّ إخلالا سافرًا بقواعد تسوية الأراضي والملكيات.
ثالثا، ومن الجهة التنظيمية، لا يمكن تنفيذ أعمال التشجير إلا في أراض خُصّصت لذلك حسب المخطط الهيكلي القطري للأحراش والمخطط الهيكلي اللوائي في كل لواء، ولا يمكن تنفيذ عمليات تشجير إلا بعد التصديق على مخطط هيكلي تفصيلي وبعد الحصول على رخصة تشجير حسب المخطط الهيكلي التفصيلي. هذا ما قضت به المحكمة العليا في قضية رقم 00/288 التي قبلت التماس مجموعات إسرائيلية طالبت ان تقرّ محكمة العدل العليا انه لا يمكن إقامة أحراش حسب المخطط القطري للأحراش رقم 22 الا بعد المصادقة على مخططات تفصيلية لهذا الغرض والحصول على رخصة للتشجير حسب المخططات التفصيلية. في الواقع، لا يحترم الصندوق الإسرائيلي هذه القواعد، حيث يقوم بالتشجير في حالات مختلفة دون رخصة تجشير ودون مخطط تفصيلي للتشجير بل انه يلتف على هذه القواعد مدعيا أن التشجير الذي ينفذه هو أعمال زراعية عادية في أرض زراعية وهي لذلك لا تستوجب أي رخصة أو أي مخطط تفصيلي كما قضت المحكمة العليا.
رابعا، تنفذ دولة اسرائيل أعمال التشجير بواسطة "الصندوق القومي الإسرائيلي" دون أية مناقصة علنية حسب قانون وأحكام المناقصات في إسرائيل، بل من خلال عقود سرية ومجهولة لم تكشف عنها "دائرة أراضي اسرائيل" ولا "الصندوق" إلى اليوم، وهو ما يمس حق الجمهور في المعرفة وحق المواطنين العرب في الحصول على المعلومات اللازمة لهم للطعن في قرار السلطات الإسرائيلية القيام بأعمال التشجير على النحو المذكور.
بخصوص الجهود التي بذلت لمجابهة هذا المشروع العنصري الذي يستعمل الشجر لقلع البشر، كنا في مركز بقاء لقضايا التنظيم والبناء بالتعاون مع النائب طلب الصانع قدمنا التماسات قضائية لإيقاف أعمال التشجير في منطقة الطويل أبو جرول، وحاولتْ أيضًا مجموعات حقوقية وميدانية أخرى الأمر نفسه في مناطق أخرى، إلاّ أن كل الجهود التي بذلت إلى الآن لم تفلح حتى الساعة في إيقاف أعمال التشجير هذه بشكل كامل رغم انعدام شرعيتها. وقد كان التطور الأخير في هذا المجال قرار المحكمة العليا في القضية رقم 10/8836 التي قدمها مركز بقاء لإيقاف أعمال التشجير في منطقة الطويل أبو جرول، وقد جاء في القرار أنه بالنظر إلى عدم شرعية أعمال التشجير من الجانب التخطيطي كما بيّنت أعلاه، على المواطنين المتضررين في هذا الشأن التوجه إلى محكمة الصلح المخولة حسب القانون بنقاش قضايا التصرف بالأرض واستعمالها. وبناء على هذا القرار، نقوم حاليا، مع الناشطين والحقوقيين العاملين في هذه القضايا بدراسة إمكانية التوجه هذه لما فيها من وجوه سلبية وإيجابية، مجتمعين مبدئيا على المجابهة بكل ما أوتينا من أدوات قانونية وميدانية مشروعة للحفاظ على الوجود العربي في النقب ليبقى العرب في أرضهم ويغرسوا أشجار قراهم وبلداتهم بأيديهم.
* محامِ ويعمل ايضًا محاضرا لموضوع التنظيم والبناء في كلية الحقوق في الجامعة العبرية بالقدس.
