المُربّيان المُخضرمان: سمير ناصر و حبيب زريق على درب الآلام معًا
يَرِنّ الهاتف ليلًا، بلهجة الواثق من نفسه، بالقاف العيلبونيّة القريشيّة المُفَخَّمة، قائلًا برباطة جاْش:
- رفيق نمر! بيحكي أبو زياد حبيب زريق!
- أهلًا بالرّفيق العريق! وكلّ آل زريق وأهل عيلبون الشّرفاء!
- شو برنامجك لَبُكْرا الجمعة؟
- أكادُ أكونُ رهين َالمحبسين!
- لطالما حدّثوني عن حديقتك الطبيعيّة الزّاخرة بمختلف الأشجار المثمرة، وأشجار الزّينة والنباتات الحوليّة، ودائمًا يشوقونني لرؤيتها من جديد، خصوصًا أخي لطفي الذي تَمَتْرَسَ في يافا! أتسمح لي أنا والزميل: أبو فادي، سمير ناصر الرّاماوي بزيارتك؟
- للضيف مفتوحة منازلنا، وعالكون مضويّة مشاعلنا. . .
في صباح يوم الجمعة الماضي 17/6/2016 استقبلتُ الصّديقين بالتأهيل والتّرحاب، قدّم لي أبو زياد جريدة الاتّحاد وملحقها الثّقافي والسّياسي، قائلًا: لعلّها لا تصلك بشكل منتظم!، قدّمتُ لهما القطائف، احتفاءً بشهر رمضان المبارك، وعيد الفطر السّعيد على الأبواب.
- داعبني أبو زياد بلطافته المعهودة: استَغْفِرِ اللهَ يا رجل، لَعَلّكَ صائم؟
- نحن والإخوة السّنّة والشّيعة متّفقون: الصّيام لهم والعيد لنا! رغم مصادرته، في بحبوحة الديمقراطيّة الوحيدة في الشرق الأوسط!
- أبو زياد برنامجنا طويل اليوم، بدّنا نزور قرى: المشيرفة، الزيّب. . . والبصّة التي كنّا بها معلّمين قبل عام 1948، أنا وطيّبَيْ الذِّكْر: أبو مُكرّم نعيم مخّول وأبو فراس حنّا مخّول/ البقيعة! ويسعدني أن أرافقكما، إذا رغبتما، وهذه القرى وأخواتها المهجّرات: القريبة والبعيدة، كلّها تعزّ علينا جميعًا، بِشَرْط: ألاّ أكونَ: ثُقلة على الزّاد أو الدّواب/السّيّارة!
- هذا يشرّفنا معًا، لعلّكَ تُثرينا بما عندك!
- قبل أن نقف على معالم تلك القرى المقهورة والمأسورة، حبّذا لو زرنا مِطَلَّ جبل عداثر المُطِلّ على قريتنا وعلى جنوب لبنان، فنصطاد عصفورين بحجر واحد.
المربّي أبو فادي، تخطّى الثمانين من عمره المديد! قاد سيّارته بِتَأنٍّ ومهارة وشطارة، صعودا الى جبل عداثر 1006 م، وأنا وأبو زياد نتبادل أطراف الحديث عن طبيعة هذه المنطقة الخلاّبة أرض زراعيّة لِأهل حرفيش، صادرتها السّلطة بِتَزامُنٍ تام مع فرض قانون التّجنيد الإلزامي على أبناء طائفتنا العربيّة عام 1956، وبالتّزامن مع العدوان الثّلاثي على أرض الكنانة، كان الله في عونها، كبقيّة أخواتها اللواتي تعرّضن لأبشع جرائم الاحتلال والتّدمير والتهجير والتّكفير، من قِبل أشرس قُوى العدوان بالتّعاون مع بعض المرتزقة المحلّلِيّين المُنحَلّين والمُختلّين، سألني أبو فادي بلطافته المعهودة: ما معنى عداثر؟ قلت لهما كلمة عداثر/ يلفظها البعض عدافر تعني: النّاقة العنود الحلوب، وفهمكما كفاية، رغم أنّ الخواجات استبدلوا كافة الأسماء العربيّة بِأخرى عبريّة بديلة، لِطمس المعالم وتأكيدًا للمظالم!. . .
*حين وقفنا فوق مِطَلِّ جبل عداثر، وبدت أمامنا مناظر لبنان الطّبيعيّة الخلاّبة: جبال، بما في ذلك جبل الشّيخ المشترك بين البلدين: سورية ولبنان، وتحتلّ إسرائيل حاليًّا جزءًا منه ، مروج، وديان وقرى الجنوب اللبناني الذي كَنّسَ الاحتلال الإسرائيلي عام 2000، شاهدنا قريتَيْ مارون الرّاس وعيثا الشّعب، الّلتَيْن فعلتا العجائب، مع بقيّة أخواتهما، في المقاومة والصّمود أمام أعتى وأشرس الجيوش، عام 2006، مُكَبِّدات إيّاهُ خسائرَ في الأرواح والمُعِدّات، قلتُ لِضَيْفَيَّ العزيزين: قريتنا حرفيش احتلّت عيثا الشّعب عام 1949، بعد أن سطا لصوص منها ليلًا على زريبة ماعز عندنا، ونهبوها! أهالي البلدة اقتفَوا الأثر صباحًا، واستطاعوا استعادة بديل للقطيع المنهوب، بالإضافة الى غنائم أخرى، يعني حرفيش احتلّت عيثا الشّعب بالعصي والمنساسات، وبعض البواريد المْروكْبِة!هذا في حين أن اسرائيل بعظمتها واسلحتها البرّيّة، البحريّة والجوّيّة، عجزت عن ذلك عام 2006! المربّيان الفاضلان المتقاعدان أثرياني بمعلوماتهما السّياسيّة والبيولوجيّة، وأنا كِلْتُ لهما الصّاعَ صاعين في تضاريس ومعالم الجنوب اللبناني، والتّناغم والألفة بين القريتين الجارتين: حرفيش ورميش، وجاء في أمثالنا الشّعبيّة: تْعَشّى بْحرفيش وْنام في رميش، أرض حرفيش لَبَيادِر رميش، عرّجنا على بلدة سعسع/على أنقاضها القرية التعاونيّة:ساسا، بيوت عربيّة جميلة، ما زالت شامخة بأصالتها وعراقة أهلها. شجرة بُطم مُطَعَّمَة / مُرَكَّبَة بالفستق الحلبي، أقطافها ورديّة كخدود البنات وقدود الحلبيّات. تحدّثنا عن التّهجير والتّجْيير والتّطهير العرقي والمجازر، ولم نَنْسَ نباتات وخيرات بلادنا واستعمالاتها الطّبّيّة: الصّفّير، قاتل أبيه، القيقب، الكستنا الشّاميّة/ البلّوط. أشجار الزّيتون الرّوميّة المعمّرة، الصّيفي، الخرفيش، دم الغزال، السُّنّيرة، العوروور، عُرف الدّك، الفيجن، القرص عنّة وغيرها، الزّميل أبو فادي لفت انتباهي الى لافتة عبريّة في المتحف البلدي/ وهو بيت عربي أنيق مع سوره الشّامخ، تقول اللافتة: قبلنا سكن:الأجانب/ الأغراب/ الأغيار هنا. . . ، قلت له: هذه واحدة من آلاف المحاولات لطمس معالمنا والتّنكّر لوجودنا، قال أبو زياد ساخرًا: خَلّيها على الله، مَشّيها وْياالله. . . سَرَقَنا الوقتُ وأظهرت الدّنيا، قال الزميلان: يصعب علينا مواصلة الرحلة الى البصّة وما حولها، لدينا التزامات أخرى اليوم!، قلتُ فَلْنَتْرُك ذلك لجولة أخرى، عدنا الى البيت، أصرّ أبو زياد على مشاهدة كافّة الأشجار والنّباتات في حديقتنا الخاصّة، عرّجنا على:الحور، الأزدرخت، البيلسان، الفستق الحلبي، ، التّين بأصنافه المتعدّدة، المُرّان، العُنّاب، اللوزيّات، التّفّاحيّات ، الصّبّار، الزّيتون الرومي، عمر الواحدة أكثر من ألفَيْ سنة، أصناف وألوان من النّعنع، قال أبو فادي البيولوجيّ /عالم الأحياء: أريد سُفراء من حديقتك الى حديقتي! إيْدَكْ إلَكْ، من العُبّ للجيبة، رزق العرب مشترك. . . قال أبو زياد جادًّا وببعض خيبة الأمل: ولكن شقيقي لطفي/ أبو باسم وقرينته اليافاويَّين حدّثاني أكثر وأوسع وأجمل عن حديقتك!قلت هذا صحيح، لكن الأبناء خَطّطوا وبنوا لهم بيوتًا على جزء كبير من الحديقة، فاضْطُرِرْنا لاجتثاث الكثير من الأشجار، خاصّة أشجار الزّينة، مثل:الصّنوبر، الأرز، السّرو، الشّربين، الغار، عروس الغابة/ الشِبْرُق’، المجنونة، المِسْتّحِيّة، الزّعرور، العبهر/ الّلبنة، سلطان الجبل، القندول، الشّيح/الرّتم، الهِنْبِل، الرّيحان، الطّيّون وغيرها. . . قال أبو زياد مازحًا:سأشكوك الى أخي لطفي، لِأنّه خيّبَ ظَنّي أكثر ممَا شوّقني!قلت له: مليح الّلي ما بدّك تشكوني الى المحميّات الطبيعيّة ! آلهة الأرض والسّماء، كما يزعمون!
*أبو زياد أكّد لي بأنّه سيزور رفاقه القدامى في الحزب:كمال غطّاس، حنّا إبراهيم ونديم موسى!قلت له جادًّا: زيارة مقبولة سلفًا يا شيخ! قال: من شين الله رَيّحني من لقب الشّيخ، الكثيرون منهم ينضوون تحت لواء: التّكفير، التّهجير والتّرحيل! وأنا منهم براء كذلك!
*قلتُ للزّميلَين الرّفيقَين، وكافّة الرّفاق المتقاعدين: لعلّ الفنّانة الملهَمة فيروز، كلمات والحان الأخوين رحباني، عَنَتْكُم، كما عَنَتِ الجيش العربي السّوري الباسل: يا قمر مَشْعغرةَ، يا بدر وادي التّيْم/ يا جبهة العالي وِمّْيْزَرَة بالغيم/قولوا انشالله القمر يبقى مْضَوّي وْقمر/ لا يْطال عِزّو حدا، وْلا يصيب وجهو ضَيم/خَبْطِة قدمْكُن عالأرض هدّارة/ إنتو الأحبّة وْإلْكُن الصّدارة/خبطة قدمكن عالأرض مسموعة/ خبطة العِزّ وْجبهة المرفوعة. . . .
*وعدنا الى المرحوم وديع الصّافي: آه يا بلدي يا قصّة الجداول يا لون الفرح/ يا ملعب عْصافير يا حْكاية نواطير. . . يا بلدي/ بلدي يا ذهب السّنابل وِكْروم الذّهب/ يا مَلْفَى الجوانح، يا مْواسم الألفة. . . يا بلدي/ وِمْعمّرة بِقْلوب مليانة، وِمْزَيّنِة بِزْهور وِغْناني/ وِدْروبها حْكايات وِسْطوحها مرايات/ والمجد مْعَمّرها، بالعِزّ مْزَنّرها/ عليانة ع َ الرّيح تِضْوي قْناطرها.
*العمر الطّويل الطّويل: لأبي زياد الذي تخطّى التّسعين، وكذلك الحال لأبي فادي الذي تخطّى الثّمانين، وما زالا بكامل الحيويّة، النّشاط، العطاء، الرّزانة والسّخاء. تُعادُ ! تُعادُ زيارتكما الميمونة!
*قبل دقائق من إرسال مقالي هذا للجريدة هاتفني الرفيق أبو زياد قائلًا: أرجو أن تؤكّد على لساني، أنّه في مِطَلّ جبل عداثر الرّائع على الجنوب اللبناني، تذكّرت طريق الآلام التي مرّ بها أفراد أسرتي، ذهابًا وإيابًا عام النّكبة 1948، مع آلاف المُهَجَّرين، طريق بيت جن-وادي الذّبّان/عين الذّبّان -حرفيش، والمعاملة الطّيّبة للمُهَجَّرين من قِبَل أهالي البلدتين العربيّتَين المعروفيّتَين: بيت جنّ وحرفيش معًا! قلتُ لِأبي زياد: سمعًا وطاعةً!على نَهْج حنظلة السّجْراوي!
.jpg)
بيت عربي سعسعاني عريق، جُيِّرَ لاستعمالات خاصّة اليوم
