تعميق الوحدة الوطنية، استراتيجية الجماهير العربية

single

هي جرائم سياسية عنصرية، سواء تعرض لها مسجد او كنيسة لعرب هذه البلاد!




حقيقة فوجئت كما غيري، في ظهيرة يوم الأحد 21/6/2015، وفي عز تقاطر الجماهير ووفود التضامن والاستنكار على الجريمة البشعة التي ارتكبت بحق الوجود العربي الفلسطيني وكنيسة الطابغة الواقعة على الضفاف الشمالية لبحيرة طبريا، والوقوف على حيثيات ما جرى من حرق وعبث وإتلاف وتدمير لهذه الكنيسة العربية الفلسطينية التاريخية، على يد عصابات القتل والتدمير والإجرام الفاشية العنصرية الصهيونية، هذه الحثالات الداشرة من البشر، التي لا يردعها شيء والتي تنمو وتكبر وتعربد وتتغذى وتستمد قوتها من محيط وارضية السياسة العنصرية اليمينية الفاشية لحكومة الحرب والاحتلال والاستيطان التي يقف على رأسها نتنياهو وأتباعه في خندق الائتلاف الحاكم في إسرائيل.
الجديد في الأمر، ان مقابل كل ما جرى ويجري لشعبنا وجماهيرنا في الداخل الفلسطيني من عمليات قتل وحرق  وتدمير ونهب واستيطان وتضييق واعتداءات وتدنيس خطيرة لاماكن العبادة والمقدسات من كنائس ومقابر ومساجد وزيادة في الظلم والاضطهاد على الأقلية الباقية في وطنها، نجد من يحرف رد الفعل الحقيقي في معاقبة السلطة الاضطهادية حتى من باب توجيه أصابع الاتهام لها. كان من المفروض ان يكون يوم الأحد بمثابة يوم غضب واحتجاج شديدين على عملية الحرق التي تقف وراءها جهات حكومية ويمينية سياسية ودينية. فوجئت من يتلمس ويحرف نبرة الاحتجاج التي من المفروض ان تكون غاضبة على سياسة السلطة، ويتلعثم في تحديد المسؤولية بل وشطب أصابع الاتهام عن هذا العمل أو ذاك، وكأن الاعتداء على الكنيسة وسائر المقدسات لعرب هذه البلاد هو من فعل مجهول أو قضية ولدنة وعمل صبياني لأناس غير عاقلين، كما تبرر السلطة في طالع الأيام المقبلة.
زيارة وفود التضامن والاحتجاج في ظهيرة ذلك اليوم 21/6، وكنت احد المشاركين القلقين جدًا وفي حالة تعجب وغضب إلى حد الألم والانتفاض على ما رأته عيناه وما سمعته أذناه. في ذلك الحشد الجماهيري جرى تغيير الخطاب الاحتجاجي الاستنكاري وإفراغه من جوهره الكفاحي، إلى خطاب وهتاف وتظاهرة بشكل ديني وحملة أعلام لرموز دينية وكنائسية، وتتلفظ بألفاظ وكلمات وهتافات مشبعة بالروح والانتماء الديني والطائفي، بدل الروح الوطنية والقومية والإنسانية. لقد أصبت في عمق أعماقي عندما جرى استبدال الهتاف الذي تربينا عليه طوال حياتنا الكفاحية، بالطول بالعرض وحدتنا تهز الأرض، إلى كلمات فيها نهج الانسلاخ والتقوقع الديني (بالطول بالعرض الصليب بهز الأرض) وشعرت وغيري اننا أمام احتفال ديني لا علاقة له بحرق الكنيسة وتحديد المسؤولية. وكأن الأمور هابطة من السماء أو هكذا رب العالمين يريد، فما بالنا ان نعمل نحن أبناء الله عز وجل حتى نرى العلم الفلسطيني يرفرف كرمز للوحدة الوطنية وخيمة الانتماء لهذه الأرض وهذا الوطن. واننا نرى في عملية الحرق ما هي إلا اعتداء على الوجود الإنساني والوطني والديني لكافة مكونات ونسيج شعبنا من مسلمين ومسيحيين ودروز. فالأماكن المقدسة للجميع هي رمز من رموز الانتماء للوطن والأرض والشعب.


*تعبئة الجماهير في حالة سُبات!*


ما يزيد عن ثلاث ساعات والوفود الجماهيرية تتقاطر معربة عن استنكارها الشديد وتضامنها معًا ضد عملية الحرق والاعتداء الإرهابيين للكنيسة التاريخية. لكن كانت عملية تعبئة الجماهير سياسيًا ووطنيًا في حالة سُبات، وان مخاطر هذه السياسة ستطال الجميع، وان من يحرق ويهدم ويلوث الأماكن المقدسة كما جرى لكنيسة الطابغة ومقبرة اقرث وبرعم وعشرات المساجد ودور العبادة كما جرى في السابق على مر تاريخ البقية الباقية المنزرعة في وطنها من الشعب الفلسطيني، هي سياسة مرسومة ومخطط لها في أعلى رأس الهرم من تفكير وإنتاج الحركة الصهيونية وحكام إسرائيل. وهي لم تبدأ اليوم، وإنما منذ ان بدأ الصراع مع الحركة الصهيونية.
إن السكوت وغمغمة الأمور وطمس جوهرها السياسي والوطني، كل ذلك شجع العنصريين وقوى اليمين والفاشية، ومن وراءهم من قادة وساسة ووزراء وأعضاء كنيست ومواطنين ينحدرون نحو التطرف اليميني أكثر وارتكاب المزيد من الجرائم وتنفيذ ما هو مرسوم. فسكوت العالمين العربي والإسلامي وازدهار العلاقة شبه المخفية مع نظام آل سعود ومشيخة قطر، كل ذلك شجع المهوّسين وقوى اليمين من التمادي طيلة عشرات السنين ولغاية الآن من الاعتداء المبرمج على المسجد الأقصى المبارك مئات المرات والمجاهرة بالقول انه يوجد لهم حقوق دينية فيه.
وكي نعود إلى موضوعنا الأساسي، الاعتداء الوحشي على كنيسة الطابغة، فانه طالما لن يحدد المظلومون الهدف وطالما يجري تحييد وإخفاء حقائق الأمور وعدم انتهاج سياسة كفاحية، فان ممارسة سياسة التناغم والتنازل وعدم المواجهة مع السياسة الصهيونية والحكومية في ظل الصراع الذي يجري اليوم في واقع الشرق الأوسط والمؤامرة التي تحيكها الدول الكبرى بقيادة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، وإظهار الأمر وكأن المسيحيين في الشرق وفي فلسطين وسوريا ولبنان مهددون من قبل الجماعات الإرهابية التكفيرية المدعومة أمريكيًا وغربيًا، والتي ارتكبت وترتكب الجرائم والموبقات الإجرامية التي حرّمتها كافة الأديان والمذاهب السماوية والأخلاق الإنسانية والخارجة عن حدود العقل والمنطق.
إن حرف نضال الجماهير العربية الفلسطينية، من اجل استرداد حقوقها اليومية والقومية والدفاع عن مستقبلها. وان عدم تسييس أي اعتداء سواء كان على كنيسة أو بيت أو مسجد أو قرية أو فرد من جانب عصابات تدفيع الثمن الفاشية العنصرية الصهيونية في إسرائيل وقوى اليمين، ما هو إلا أسلوب تهميش النضال والكفاح الوطني، وحصره في اطر ضيقة ذاتية تصب في مصلحة وسياسة الاضطهاد والتمييز، بل تشجيع للمزيد من هذه الممارسات التي زادت عن حدها في الفترة الأخيرة بغية حمل المزيد من الناس والعرب أفرادًا وجماعات على ترك البلاد والوطن والرحيل، مما يعني إفراغ البلاد من أهلها الضاربين عميقًا في تراب الأرض، ونحن نعرف خطورة ومقاصد هذه الحكومة واذرعها المختلفة في ترحيل وتضييق الخناق على الـ 20% من سكان البلاد. فالسياسة الممارسة تجاه الجماهير العربية المتمسكة في وطنها، تهدف إلى تحقيق مثل هذا الحلم وتحويله إلى واقع ملموس، والاعتداءات الأخيرة على كنيسة الطابغة يدخل في بند محاولة ضرب النسيج الاجتماعي لعرب هذا الوطن المسلوب، وحمل المسيحيين الذين هم جزء ومكون أساسي لهذا الشعب على الهجرة وترك الوطن لغير الوطنيين.


*زرع بذور الشك والتفرقة*


سمعنا في الفترة الأخيرة تصريحات وأحاديث وآخر كلام من شخصيات لها مركزها ونفوذها الديني والسياسي، في حث ومطالبة حكام إسرائيل بالتدخل في الصراع في سوريا وكأنها لم تتدخل بعد إلى جانب المجرمين من داعش والنصرة وغيرهم، لإنقاذ إخواننا الدروز المعروفيين السوريين من نار جهنم داعش والنصرة، ويضيف انه على إسرائيل ان تتحمل مسؤولياتها في دعم وتسليح والدفاع عن المعروفيين في سوريا. وهذا النفر من الناس يتحدث لوسائل الإعلام، على ان العرب المعروفيين في البلاد قد اخلصوا للدولة، وواجب الدولة ان تخلص لهم في هذه الظروف المصيرية بتقديم كل أنواع الدعم والمساندة لإخوانهم السوريين.
إن طبيعة مثل هذه الدعوات والنداءات لا تهدف إلا لزرع بذور الشك والتفرقة والتخاصم بين أبناء الشعب الواحد. فبهذه المعادلة السلطة تضرب الروح النضالية والاستقلالية السياسية والوطنية لمجموع الجماهير العربية وجعلها عبارة عن مجموعات منقسمة متناحرة تعيش حالة صراعات دائمة.
فبدعم حكام إسرائيل وأمريكا وتركيا والأردن والسعودية وقطر، تعمل تلك الوحوش المتعطشة للقتل والدم والتدمير وتعيث فسادًا وخرابًا في بلاد الشام وما بين النهرين. ان المرحلة الحالية التي تمر بها الجماهير العربية تتطلب ان تزيد من صيانة وتعميق وحدتها الكفاحية والنضالية وتشديد وتعميق مدى الرؤية والانتباه لكل خطوة تقوم بها المؤسسة الحاكمة في إسرائيل، وإحباط مخططاتها بصورة دائمة، وعدم ترك الأمور لزلم السلطة وأتباعها في زج فئات من هنا وهناك عبر تصريحات تدعو إلى الطائفية والعنصرية وتعميق مفهوم الشرخ الوطني.



(كويكات/أبوسنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

"كلنا في خطر.. والعنف سيقتلنا كأمة وكحضارة..."

featured

حين يهبّ الأمريكان لحماية داعش علانيةً

featured

التشنج في حوارنا حول التسامح...!

featured

اسرائيل تتخبّط بين قديمها وجديد العرب

featured

جمال طربيه وسام على صدر مدينة سخنين

featured

"فك الحصار" عن المصالحة ..شرطا!

featured

أسطول الحرية والقرصنة الرسمية

featured

حب الوطن قتّال