مرتان خلال أسبوع واحد انطلقت واشنطن في حملة لحماية مجموعات مسلحة في سوريا. وإذا كانت صفة الاعتدال تطلَق من كل حدب وصوب لشرعنة المسلحين بمختلف مجموعاتهم، فإنها لا يمكن أن "تعمل" في ريف دير الزور مثلا، الواقعة في وسط شرق سوريا حيث المهيمن هو تنظيم داعش الارهابي؛ وهو مصنف بهذه الصفة في البروتوكولات العملانية الأمريكية أيضًا. ولكن عندما أطلق الجيش السوري عملية ضد هؤلاء التكفيريين القتَلة، يوم الأربعاء الماضي، تدخلت قوات تحالف واشنطن (الذي أقيم بدعوى محاربة داعش، يجب التذكير..) وقصفت القوات السورية وحلفائها، صباح اليوم التالي، الخميس..
المعادلة واضحة و"بسيطة": هناك الجيش السوري من جهة وداعش والقوات الأمريكية وتوابعها "العربية" من جهة أخرى. هذا المثال في دير الزور قبل أيام ليس حالة استثنائية بل حالة نموذجية للسياسة الأمريكية. لا يعني هذا أن واشنطن وداعش يجمعهما اتفاق رسمي موقّع بحضور وسائل الاعلام..، ولكن كل من يعتمد التحليل وليس الحقد و"الزعبرة"، بوسعه رؤية كيفية استخدام داعش من قبل الأمريكان الرسميين منهجيًا بدون خجل ولا تستّر بل من راس السطح.
هذا يفترض أن يلقي ظلا قاتما جدا على ماهية التحالف الذي أقامته بدعوى محاربة داعش – وهو للتنويه والتوكيد ظل رأيناه من جهتنا فورا، خلافا لمن اختار الذهاب في الركب الأمريكي، بما يشمل راديكاليين كبارًا جدا جدا.. وقد صمت هؤلاء تماما حين سارت أنظمة عربية خلف الكاوبوي.. وهو الكاوبوي نفسه الذي يسند الاحتلال الاسرائيلي الذي يقمع شعبهم بشتى الوسائل.. إزدواجية؟ نعم.. فهذا من نوع الأمور التي لا تتجزأ!
السلوك الأمريكي نفسه يتكرر الآن في درعا. يتم تهديد سوريا خلال استعدادات جيشها لبسط سيطرة الدولة هناك.. في المنطقة التي تحرص اسرائيل على ابقائها تحت هيمنة مجموعات مرضيّ عنها، بل عبّر بعضها مرار عن عدم اكتراثه بالتقاء المصالح مع حكومة اسرائيل! هنا أيضًا يتقن الراديكاليون جدًا جدًا فن الصمت، وفن الجبن فتجف انتقاداتهم المالحة التي لا يتوقف سيلانها إلا عندما تهدد بإصابة مصادر نعمتهم لدى الأنظمة العميلة لواشنطن والمتحالفة استراتيجيا مع اسرائيل!
