// اختلطت "اوراق اللعبة" على اسرائيل. أحداث العالم العربي قد تؤثر على منطق التفكير المُعَسكر في إسرائيل، وقد تدفع به الى مواقف اكثر براغماتية، بعكس ما هو ظاهر على السطح الآن
في الاشهر الاخيرة يشهد العالم العربي احداثاً غيرت كثيراً في موازين القوى الداخلية والخارجية. هذه الاحداث شغلت الشرق الاوسط بشكل خاص والعالم بشكل عام. وهي احداث اصطلح عالمياً على تسميتها بـ "ربيع الشعوب العربية" او "ربيع العالم العربي". وليس بغريب تسميتها بربيع الشعوب بعد ان نخر الخريف بالعالم العربي واعتبره العالم جثة هامدة لا حول لها ولا قوة.
هذه الأحداث في الشرق الأوسط حدثت خلال فترة زمنية قصيرة، فولّدت معها الكثير من الأحداث الجسام، قد يكون تأثيرها على الساحة الجيو سياسية اكثر من تأثير الأحداث التي جرت خلال عشرات السنوات الأخيرة، ابتداءً بمعاهدة "كامب ديفيد" وانتهاءً باتفاقية أوسلو واقامة السلطة الوطنية الفلسطينية وعدوان اسرائيل عام 2006 و2008 على الشعب اللبناني والشعب الفلسطيني، بالتوالي.
ما شهدناه في العالم العربي جرى تباعًا وفي تسلسل تدريجي مثير للانتباه، ونعتقد ان له تأثيره على مسار أية تسوية مستقبلية:
1 الحدث الاول بدأ بانتخابات السلطة الفلسطينية والتي فازت فيها حماس وشكلت حكومة فلسطينية برئاسة حماس، بعيدة كل البعد عن أوسلو وترى بـ "المقاومة" الوسيلة الاساسية للوصول الى تسوية بين الفلسطينيين واسرائيل.
2 اما الحدث الثاني فقد كان سقوط حكومة الحريري في تزامن يحمل دلالات ورمزية الموقف، ونقصد تحديدًا تزامن الحدث مع اجتماع رئيس الحكومة اللبنانية المُقال، سعد الدين الحريري، مع الرئيس الأمريكي. في هذا التوقيت بالذات جاء قرار إسقاط الحكومة اللبنانية. ودخلت الساحة اللبنانية في مرحلة جديدة، حتى آلت الأمور الى توكيل السيد نجيب ميقاثي لتشكيل حكومة بتفويض ودعم من حزب الله، القوى الوطنية وفصائل المقاومة. وهذه الحكومة – حكومة ميقاثي، ابعد ما تكون مقربة من اسرائيل ومستعدة لسلام معها وفقًا للطروحات الاسرائيلية. فخيارها قريب من خيار حزب الله والمقاومة اللبنانية.
3 ورجوعًا للسلطة الوطنية الفلسطينية، فقد كان الحدث الثالث ما اصطلح على تسميته بـ "كشف المستور"، والتي تناولت فيه قناة "الجزيرة"، ما أسمته بجوانب من المفاوضات. وبغض النظر عن دقة أو عدم دقة ما تم النشر عنه، الا ان الأجواء التي رافقت الموضوع ستساهم، بلا شك، في تكبيل المفاوض الفلسطيني للمستقبل وتضييق مساحة الحركة والتحرّك لديه وشطب أية امكانية للتماشي مع اية رغبة اسرائيلية مفصوح عنها باتجاه تسوية لا تلبي الحد الأدنى للحق الفلسطيني، خاصة وان الرأي العام الفلسطيني أصبح، بعد طرح الموضوع اعلاميًا، اكثر مراقبة للقيادة الفلسطينية واكثر ضغطًا عليها.
4 الحدث الرابع كان من نصيب تونس التي كشفت الاحداث عن اتصالات واسعة بين نظام بن علي والحكومات الاسرائيلية.
5 الحدث الخامس، والذي يعتبره البعض الأهم من ناحية تأثيره، هو الاطاحة بنظام الرئيس المصري حسني مبارك الذي انهى دوره التاريخي كحليف استراتيجي للغرب ولاسرائيل، وكصاحب تأثير على قيادة السلطة الفلسطينية، قيادة رام الله. وبعده ما زالت ليبيا واليمن والبحرين في مواجهة بين الشعوب وحكامها وبين مؤيدي الرؤساء والمعارضة. اما سوريا فقد اربكت العالم العربي والعالم بأسره، حيث نرى تأييد كل الحكام العرب للنظام السوري وانقسام انشطاري بين الشعوب العربية، بين مؤيد ومعارض، وميوعة المواقف الغربية والبلبلة التي تشهدها اسرائيل والتي لم تصدر أي موقف رسمي ولا تعرف هل تؤيد بقاء النظام الحالي لبشار الاسد او تؤيد تغييره.
من الملاحظ بان هذه الأحداث المتتالية، وبالذات الثورات وتحرّك الشعوب، أدخلت الساسة الاسرائيليين والعسكريين في دوامة من التخبط، حيث الاجتماعات التي وصلت حتى الساعات الأخيرة من الليالي في محاوله لإستقراء مجريات التطورات.
للوهلة الأولى فان هذه الأحداث تبدو وكأنها قد تستبعد إمكانية السلام او التسوية بين اسرائيل والعالم العربي، نظرًا للاعتبار الاسرائيلي الذي كان يعتمد في سياسته على ما كان يسميه بـ "الدول المعتدلة"، وفقًا لتعريفاتها وتقسيماتها لدول المنطقة ومحاورها: "محور الاعتدال" و"محور الشر". لقد اختلطت الأوراق والتعريفات على اسرائيل اليوم. لذلك كل تغيير في هذه الانظمة بالضرورة قد يؤثر سلباً على مواقف هذه الأنظمة من اسرائيل ومن عملية التعاطي مع الطروحات الاسرائيلية للتسوية.
لكن، في الوقت نفسه، قد يكون لهذه الأحداث تأثيرًا مغايرًا، اكثر عمقاً، على عملية التسوية بين العالم العربي وإسرائيل، من خلال التأثير على منطق التفكير المُعَسكر في إسرائيل، وقد تدفع به الى مواقف اكثر براغماتية مما يحسّن من إمكانية التوصل الى تسوية بين العالم العربي وإسرائيل. نقول ذلك ونحن على دراية بالطرح الذي يقول ان "اسرائيل هي اسرائيل، كما هي" ولن يغيّر من مواقفها شيئاً، وخاصة الحكومة الحالية التي تعتبر الاكثر تطرفاً منذ قيامها. لكن، في الوقت نفسه، بدأت أوساط اسرائيلية، اعلامية وسياسية وحتى امنية، تنادي بالتوجه نحو تسوية الصراع مع الفلسطينيين ومع العالم العربي ارتباطًا بالأحداث الجارية في العالم العربي واستدراكًا لمستقبل يتفق فيه أغلب الاسرائيليين انه يعتريه عدم الوضوح بينما ميزان الكفّة يتجه على النقيض من سياسة اسرائيل السابقة في المنطقة والتي بنتها على مدى سنوات طويلة. وللأيام، والتطورات في العالم العربي، في هذه المعادلة، تأثيرها الحاسم.
(الكاتب هو باحث في جامعة حيفا)
