علم المرتزقة فوق صرح الحضارة بتدمر
إنني أجد الأمر كله غريباً بعض الشيء، أعني هذا القلق الذي يخامرنا حول آثار تدمر. يمكن بالتأكيد أن تتحول عروس الصحراء إلى ركام على أيدي العدميين في "داعش" في وقت قريب. لكنني وجدت شيئاً مثيراً للغثيان أيضاً عندما قارنت المساحة التي أفردناها في تقاريرنا للدمار الذي ربما ينتظر هذا الموقع الروماني للتراث العالمي بعد الاستيلاء عليه من الجيش السوري، بالتقارير الأقل حجماً وعاطفية عن إعدام "داعش" لما يتراوح ما بين 200 و400 من الرجال والنساء والأطفال في المدينة. ألا يجب أن تزيد قيمة حياة طفل على الكوكب بأكمله، ناهيك عن عمود كورنثي في تدمر؟
بثت محطة "بي بي سي العالمية" تقريراً ضم وصفاً موجزاً لعمليات القتل تلك، بما في ذلك الأطفال، والذي تلاه مباشرة -في مسافة نفَس واحد، لا أقل- تقرير أطول بكثير عن الخطر الوجودي الذي يتعرض له طائر أبو منجل الأصلع النادر في تدمر. وأنا أتساءل، هل كنا لنختار هذا المنظور لو كانت أرواح بريطانية هي التي يجري شطبها من الوجود؟ "القوات البريطانية تتراجع إلى دونكيرك -العديد من الأبقار الفرنسية قُتلت".
كنتُ قد تجولت في أنحاء تدمر، واشتريت في بداية الثمانينيات كتاب أيان براوننغ البليغ عن المدينة الرومانية القديمة للملكة زنوبيا (لحسن حظه، مات براوننغ، مثل معلمه دنيس هايز، الحارس السابق للآثار اليونانية والرومانية في المتحف البريطاني، قبل فترة طويلة من أن تصبح تدمر مهددة بالانقراض). ويروي الكتاب قصة أول الزوار الأوروبيين لتلك الآثار. الحملة الأولى في 1678، بقيادة الدكتور هنتينغتون من حلب، هربتْ من المكان بسبب الخوف من المسلحين العرب - لقد وصفهم براوننغ بأنهم "عصابة من اللصوص العرب"- ولكن الرحلات التالية التي قام بها روبرت وود وجيمس داوكينز في 1751، ثم رحلة ابنة شقيق وليام بِت، المتعالية والمبذرة، الليدي هيستر ستانهوب (التي اعتقدت نفسها زنوبيا الثانية) في أوائل القرن 19، فتحت تدمر أمام العالم.
لكن الأمر الأكثر إثارة للانتباه في نسختي من كتاب براوننغ -"المبقعة" كثيراً بسبب نسائم البحر الرطبة التي تهاجم أرفف كتبي في بيروت- هو عدد المرات التي تعرضت فيها تدمر للتدمير فعلياً في العصور القديمة. في السنة 41 قبل الميلاد، نجت المباني عندما وصل مارك أنطونيو، فقط ليجد أن سكان تدمر قد فروا شرقاً إلى أرض البارثيين -الذين كانوا، قبل 12 عاماً، قد دمروا جيش كراسوس (الفاتح من سبارتاكوس) وقطعوا رأسه، على غرار "داعش" الآن، بعد استسلامه. وكان شريط الفيديو فقط هو المفقود في تلك الحادثة. وبعد حوالي 300 سنة، قاتلت زنوبيا ملكة تدمر من أجل استقلال ابنها ضد أورليان -الذي ادخر المدينة في البداية، ولكنه دمرها بعد ذلك عندما ذبح سكانها الحامية الرومانية. وسمح أورليان لقواته، وفقاً لبراوننغ "بالمضي قدماً في نوبة الهياج والنهب والقتل والحرق والتدمير". على نحو مهّد الطريق كثيراً لجماعة "داعش" في الحقيقة.
ثم، خلال الحروب الإسلامية، حذر خالد بن الوليد، أحد أفضل جنود الخليفة الأول (ومن صحابة النبي): "يا أهل تدمر. والله لو كنتم في السحاب لاستنزلناكم ولأظهرنا الله عليكم". وفي هذه المرة، استسلمت تدمر بدون قتال. وبعد ذلك، تم تحويل معبد بعل الروماني فيها إلى مسجد، واستخدام موقع الآثار الرومانية كمقلع للحجارة -على نحو يشبه كثيراً ما سيصبح عليه المدرج "الكوليسيوم" في روما في وقت لاحق. ثم دمرت الزلازل المزيد من تلك الآثار. وكانت تدمر محظوظة في الحرب العالمية الثانية عندما استخدمت القوات الألمانية مطارها المحلي لقصف البريطانيين في العراق. وفي العام 1941، وجد دوق ولينغتون الثامن نفسه وهو يستطلع الآثار الرومانية ليلاً مقابل مواقع قوات فيشي الفرنسية.
لا شيء جديدا، إذن. وقد تذكرت هذه الحقيقة قبل بضعة أيام بينما كنت أحتسي القهوة في بيروت مع القائد كيفن ماكدونالد من الجيش الأيرلندي، الذي نشر بعض الدراسات المتبصرة عن المواقع الأثرية غير المكتشفة حتى الآن في سورية وتشاد. وكضابط في قوات الأمم المتحدة، كان قد وجد نصال السهام المنحوتة من الصوان من العصر الحجري ملقاة إلى جانب خراطيش البوليساريو في الصحراء الغربية. وفي وقت قريب فقط، قدم المشورة لزميل في قوات الامم المتحدة في جنوب لبنان حول "موقع" لحزب الله، والذي ربما يكون أثراً عمره آلاف السنين. والأخطر من ذلك، كما يكتب، هو أنها كانت هناك "حالات من التخريب الثقافي"، التي ارتكبها الجنود الدوليون في الخارج، بما في ذلك في منطقة الصحراء الغربية، حيث قاموا "برش الكتابات الغرافيكية على أو بالقرب من مواقع مهمة للفن الصخري، والتي يعود تاريخها إلى حوالي 2500 قبل الميلاد".
يدعو ماكدونالدز إلى وجود جيش أكثر ثقافة من الناحية الأثرية، لكنه يعترف بأن التدمير المتعمد للتراث في العالم يمر عبر كل الحدود. وفي حين نسفت حركة طالبان الإسلامية تماثيل بوذا في باميان، قام الهندوس في أيوديا بتدمير مساجد إسلامية يعود عمرها إلى قرون، كما أن المتطرفين المسيحيين "سرقوا وهدموا... تحف وتماثيل الخصوم الدينيين والوثنيين على حد سواء". وكنت أنا نفسي محظوظاً بما فيه الكفاية لأسير عبر الجسر العثماني في موستار (مرة أخرى، مع جندي أيرلندي من قوات حفظ السلام) قبل قصف الكروات له وإسقاطه في نهر نيريتفا.
كان ذلك تطهيراً ثقافياً ومحاولة لتدمير هوية شعب بأكمله في الحرب. ولعل ما يتميز به طالبان، والآن "داعش" هو أنهما يعرفان قيمة ما يقومان -أو يهددان- بتدميره. كانت تدمر، لقرون عدة، مدينة مسلمة أيضاً. ولن تنفع أي دردشة حول التثقيف الأثري في وقف هؤلاء الفتيان ذوي العمائم السوداء عن تحطيم المكان، رغم أن رسماً كاريكاتيرياً في صحيفة لبنانية نشر قبل بضعة أيام، عرض صورة للآثار الرومانية في تدمر، تضم أروقة بلا سقوف وأعمدة مكسورة، مع رسم كرتوني لرجل مسلح أسود الزي من "داعش" يحمل مطرقة، ويصرخ: "لقد أتيت متأخراً جداً! لقد دمرها أحد ما مسبقاً!!!".
مع ذلك، أصبحت لدي شكوك ولدها حديث عالمة الآثار اللبنانية جوان فرسخ، بأن هناك أكثر مما تراه العين في التخريب الثقافي الذي يمارسه "داعش". إن تدمير المواقع الأثرية هو استجابة لأوهام إيديولوجية الخلافة الإسلامية -ولكنه يستخدم أيضاً للتغطية على نهب الآثار وبيعها في السوق السوداء.
تقول فرسخ: "كلما أصبح المزيد من الآثار يبدو مهددا بالانقراض، زاد ما يمكن أن تتقاضاه المافيات عن نهبها". إنها حلقة مفرغة، إذن، والتي كلما بيع فيها قدر أكبر من التحف الفنية، زاد خطر تعرض الآثار للتدمير، والعكس بالعكس. فمن أجل قَطع التحف الأثرية الصغيرة من التماثيل -أصابع القدم أو اليدين أو الحجر المنحوت- لا بد أولاً من تدمير التماثيل نفسها. وبعبارات أخرى، إلى جانب النفط، يحتاج "داعش"، بل ويحب الآثار التي يقوم بتدميرها.
لا شك أنه منظور قاتم، في واقع الأمر. والآن، لدينا التقارير الإخبارية عن إعدامات "داعش" الجماعية في المسرح الروماني في تدمر. لذلك، دعونا نبقي على طيور أبو منجل الأصلع خارج الموضوع.
(جريدة الإندبندنت البريطالنية)
