-1-
"إن المبالغ الضخمة التي تُدفع للدول المصدرة للنفط هي بمثابة نقل مكثف للثراء من العالم المتطور لعدد صغير من دول يعتمد اقتصادها على تصدير النفط". هذا ما جاء في التقرير الذي أعدته لجنة رسمية وبحثته الحكومة في بداية الأسبوع الماضي، ومن الأهداف الهامة للمشروع، حسب صحيفة "ذا ماركر" الاقتصادية، هو التفتيش عن مصادر بديلة للنفط، من أجل ضرب المكانة الهامة التي تحتلها الدول المصدرة للنفط، وهي بأغلبيتها عربية، في الاقتصاد الغربي.
في مسرحية "شاهد ما شافش حاجة" يُسرع الفنان العبقري عادل إمام لدفع إيصال التلفون، غير الموجود، خوفًا من أن "يشيلوا العدة"، غير الموجودة. ونحن بدورنا ومن هذا المنطلق نقول "شيلو العدة".. تتساءلون ماذا تفعلون بالنفط؟ وكما أجابهم عادل إمام، نقول لهم: " خلّلوه.. إحشوه". المهم خلصونا منه.
بل أكثر من ذلك فإنني أدعو لتأييد هذا البرنامج، ولولا أنها الحكومة الإسرائيلية المبادرة للمشروع، بكل موبقاتها ضدنا، لقمت بالتبرع لهذا المجهود؛ فماذا جني عموم العرب من عوائد النفط؟ ملياردات الدولارات تتسرب إلى جيوب عدد قليل من المحظيين والمحظيّات، يمارسون بها كل رذائل العالم من شراء ذمم وقهر شعوب، والتواطؤ مع الاستعمار، وخاصة ضد شعب فلسطين، فهل كان من الممكن تنفيذ الجريمة الكبرى ضد الشعب الفلسطيني، دون مساعدة "الأخوة" السعوديين وقادة النفط الآخرين؟
-2-
ماذا جلب لنا النفط؟ هل انتقلنا إلى مصاف الدول المتقدمة تكنولوجيًا، نتيجة هذه الثروات؟ صحيح أن آخر منتجات التكنولوجيا موجودة في هذه الدول، ولكن هذه المنتجات، مثلها مثل الثمر الذي نقطفه عن الشجر، لا يد لنا ولا رجل في إنتاجه. هل ازدادت نسبة المتعلمين لدى العرب؟ هل انحسر الفقر؟ هل تعززت كرامتنا؟ ماذا جلب لنا النفط، سوى مظاهر تبعث على الخجل في فنادق وصالات القمار والمواخير في لندن وباريس ونيويورك وغيرها؟
هذا عن الأنظمة الرجعية، ولكن ماذا مع الثائر العقيد معمر القذافي الغارق حتى قمة رأسه بالنفط وأموال النفط؟ ماذا فعل بالملياردات سوى توظيفها في برامج مجنونة، لا تسمن ولا تغني عن جوع؟ ماذا فعل للقضية الفلسطينية؟ سوى أن حذف شطرها الأول وأدخل شطرها الثاني، في معادلة الوحدة مع إسرائيل.. فأصبح الطين هو إسهامها بالوحدة: إسرائيل تسهم ب: "إسرا" وفلسطين ب: "طين".. فزاد وضعنا طينًا على طين.
-3-
هذا الحديث "الموزون" حول انتقال الثروة لدول النفط، كما تدعي الدراسة الإسرائيلية، ما هو إلا ذر للرماد في العيون، فكل الأموال، ما أن تصل السعودية أو الكويت، وحتى وهي في الطريق، تجد الأوامر بانتظارها، "خلفًا در" أو "مكانك عد"، لتبقى في البنوك الأمريكية والأوروبية. لا يوجد "انتقال" ولا يحزنون، حتى الحروب ضد شعوب المنطقة، وخاصة في العراق، يتم تمويلها من هذه الأموال، التي "انتقلت" للعرب كذبًا وبهتانًا.
-4-
هؤلاء الجهابذة، في إسرائيل، من أبدعوا هذا البرنامج، الذي سيكلف حوالي أربعة ملياردات دولار، نصفها من الدولة والنصف الآخر من القطاع الخاص، لا يدركون أن هذا البرنامج يعني أمرًا واحدًا فقط، وهو قطع الفرع الذي تجلس عليه السياسية الإسرائيلية، فهذا الاهتمام بإسرائيل منذ إقامتها، وقبل ذلك- منذ العمل على إقامتها، كان هدفه، بالأساس، هو أن تلعب دور الشرطي في هذه المنطقة الغنية بالثروات الطبيعية، فإذا ذهبت هذه الثورة فما الحاجة للشرطي؟!
-5-
ومع ذلك، وبالرغم من ذلك، وفوق ذلك والأهم من كل ذلك.. فهنالك أمور تقع في باب الأخلاق وتقع في باب حسن الجوار وتقع في باب الاقتصاد وتقع في ألف باب آخر.. والمقصود هنا كيف تتوجه لجارك، مهما تعمقت علاقة العداء معه، وكيف تتوجه لبيئتك، والعرب أحسنوا بقولهم: "قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق".. فما هذه الثقافة التي تجلبها حكومة إسرائيل؟ هذا المشروع هو رسالة بأنها غريبة عن هذه المنطقة، عن هوائها ومائها، غريبة عن جبالها وصحرائها، غريبة عن طيورها وغريبة حتى عن ذئابها، لأنه حتى الذئاب لا تحمل هذا الكم من سوء النية ومن الكراهية لبيئتها.. فقط من يعتبر هذه المنطقة محطة لا غير في مسيرته، يستطيع أن يفكر بمثل هذا التفكير التدميري..
