ما من شك أن نتنياهو ما زال بنفس العقلية والقناعات التي كان عليها في فترة رئاسته السابقة، وانه لا يحاول اخفاء نواياه الحقيقية وعدم حماسه لخوض مسار جدي للتوصل الى سلام، في المسارين الفلسطيني والسوري، وأن أكثر ما يقلقه اليوم هو استمرار عملية تخصيب اليورانيوم المستمرة في إيران، وسبل وقفها بأي طريقة كانت، سياسية أم عسكرية، أو حتى فنية أو سحرية. لقد أوضح نتنياهو لأوباما أن المسار الذي عرضته الإدارة الأمريكية وسربت خطوطه العريضة قبل وصوله إلى واشنطن، بربط المسار السلمي ووقف عملية تخصيب اليوارنيوم في إيران بنفس العجلة، غير مقبول عليه ولاعلى الحكومة الإسرائيلية، التي ترى بإمكانية إنتاج سلاح نووي إيراني خطر كبير على وجود إسرائيل، وإنهاء التفوق الإسرائيلي في المنطقة.
لقد أوضح نتنياهو لأوباما أن إسرائيل لا يمكنها الوقوف مكتوفة الأيدي أمام استمرار المشروع النووي الإيراني، وأن إسرائيل لا يمكنها القبول بأي شكل من الأشكال وجود قوة نووية موازية لها في المنطقة، وأنها لن تسمح لأي جهة بتغيير التوازن العسكري في المنطقة، وأن ربط مسار التقدم بعملية السلام بالقضية الإيرانية أمر لا يمكن القبول به، لأنه لا يمكن التقدم في المسار الفلسطيني طالما بقيت حماس مسيطرة على قطاع غزة، وأنه لا يثق بقدرات أبو مازن على مواجهة حماس.
\\ نتنياهو والحل الآخر:
لقد كان نتنياهو نائب وزير الخارجية، في حكومة شمير ورافقه في مؤتمر مدريد وكان المندوب الرسمي الذي مثل إسرائيل بعد أن عاد شمير إلى البلاد بسبب قدسية السبت، وكان مطلعًا على الضغوطات الأمريكية التي مارسها الرئيس بوش الأب على الحكومة الإسرائيلية حينها، وعدم إتاحة الفرصة لإسرائيل بالرد على الصواريخ العراقية التي وجهت إلى إسرائيل، وفرض مسار المفاوضات مقابل تحسين امتيازات إسرائيل. ما زال نتنياهو يتذكر ذلك الموقف المفروض على إسرائيل والإملاءات التي أجبرت على تنفيذها، والتي أتت بسياسة لم يكن يأمل أن تأتي بمثل هذه النتائج، من اتفاق أوسلو إلى خارطة الطريق وأنابوليس، والتي ساهم نتنياهو بوقفها وعرقلة عجلة المفاوضات عند وصوله إلى سدة الحكم عام 1996.
قد ينجح نتنياهو بمواجهة المواقف التي قد تحاول السياسة الأمريكية الجديدة فرضها، لكن ما يقلق نتنياهو هو البرنامج النووي الإيراني، وتبعاته المستقبلية، التي ستؤدي إلى خلق معادلة قوة جديدة في المنطقة، ينتهي عندها تفوق إسرائيل العسكري وتميزها النووي. لقد أدرك نتنياهو منذ صعود أوباما إلى الحكم أن مواجهة إيران ستكون حتمية ومباشرة، وعلى هذا الأساس يبني نتنياهو اليوم برنامجه لمواجهة إيران بجذب مواقف الدول العربية لدعم موقف إسرائيل لوقف البرنامج النووي الإيراني، وعلى رأسها السعودية ومصر، حيث يحاول نتنياهو زرع أجواء الرعب في المنطقة من خلال إبراز إيران كخطر محدق بسلامة المنطقة، والتحريض بأن لها أهداف توسعية، تصل إلى شواطئ البحر المتوسط.
لقد أعلنت مصر موقفها الواضح من برنامج إيران النووي ومخاوفها من منافسة إيران لمكانتها في المنطقة، كذلك أبدت السعودية معارضتها لاستمرار برنامج إيران النووي لأنه يهدد أمن الخليج، وخلال السنوات الأخيرة أطلق الملك عبد الله بعض التصريحات بشأن مخاوف الأردن من تشكيل هلال شيعي يستمر من إيران إلى العراق ولبنان ويهدف إلى السيطرة على الأردن. وكانت الخلية التي رصدتها المخابرات المصرية على حدود قطاع غزة فرصة سانحة للإدارة المصرية للتلميح بتخوفها من الخطر الإيراني الآخذ بالازدياد، والذي ينبئ بتطلعات مستقبلية تجعل الدول الكبيرة تحرص على عدم تفوق إيران العسكري وضعضعة التوازن الحالي، الذي يضمن تفوق إسرائيل.
\\ "سذاجة" أوباما:
حاول أوباما إقناع نتنياهو بعدم القيام بأي خطوة عسكرية ضد إيران خوفًا منه على ضعضعة أوضاع المنطقة، وتوريطه في مستنقع العراق، وكان مفتاح الحل الذي عرضه هو الانتخابات الإيرانية التي ستحاول أمريكا التأثير عليها بطرقها الخاصة، لدحر الرئيس أحمدي نجاد، وفتح فرصة جديدة لمسار المفاوضات على البرنامج النووي الإيراني، وسبل تقييده ومراقبته في حال فشلت المحاولات لوقفه. بالنسبة لأوباما الذي يحاول استرضاء كافة الأطراف فان البرنامج النووي الإيراني يمكن أن يستمر بوجود مراقبة دولية تضمن عدم إنتاج الأسلحة، لكن ما يقلق إسرائيل هو الوصول إلى هذه القدرة الذي يتطلب نموًا علميًا بمستوى عالٍ جدًا، ويفتح آفاق جديدة للبحث العلمي، واستمرار التطور العلمي في مجالات عديدة، لذلك ستعمل إسرائيل على عدم وصول إيران إلى هذه القدرات. إن الانتخابات الإيرانية المقبلة ستكون المفتاح للعديد من القضايا على مستوى المنطقة، وهي التي ستحدد مستوى ونوع التدخل الأمريكي في قضايا المنطقة، في العراق وأفغانستان بشكل مباشر تحديدًا، وبأشكال مختلفة بالنسبة لباقي القضايا.
قد ينتظر الرئيس أوباما أيضًا دورًا روسيًا يساهم في حل قضية المشروع النووي الإيراني لكنه لن يقوى على منع إسرائيل من القيام بأي عملية عسكرية ضد البرنامج النووي الإيراني، خصوصًا إذا أبدت السعودية ومصر موافقتهما على هذه الخطوة.
\\ العملية السلمية ونتنياهو:
أظهر اوباما رغبته الكبيرة بتجديد المسار التفاوضي بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية وسوريا، وكان ينتظر أن يطلق نتنياهو موافقته على مبدأ الدولتين الذي أصبحت تتبناه الإدارة الأمريكية بشكل علني، لكن نتنياهو استغل سذاجة أوباما واستغفله لكسب المزيد من الوقت، خصوصًا وأنه لم يمرر ميزانية الدولة، لذلك لن يعلن نتنياهو أي إعلان يشوش أجواء الائتلاف الحكومي إلى حين الانتهاء من التصويت على الميزانية، وهذا يعني أن هذا الصمت سيستمر إلى شهر تموز وقد يطول إلى آب، لكن ما لا يمكن التكهن به هو موعد الضربة العسكرية التي يخطط لها براك ونتنياهو ضد إيران والتي ستبعد حمامات السلام عن المنطقة.
