الجلاد والجاروشة

single

جاروشتنا مسجونة في حديقة جدعون في حي نحلئيل، شارع هنسي، بيت رقم 15
في مدينة نتانيا.. وبيت جدعون كان في الماضي، وحيدا في منطقة واسعة، استولى عليها، بعد طرد عرب قرية عين خالد من بلدهم، عند إقامة اسرائيل.
بقي البيت كما هو منذ بنائه. بيت ارضي، تحيط به حديقة واسعة مليئة بالآشجار التي تغمره من جميع الجهات، فلا يكاد المار به يرى منه شيئا، او يسمع من داخله اية علامة للحياة، إلا صوت كلب ضخم الجسم، قبيح الوجه، مخيف العينين، يشعل المنطقة بنباحه المخيف المهدد بعظائم الأمور، اذا ما حاول كل مستغنٍ عن حياته ان يدخل الى البيت!
بالقرب من بيت هذا الكلب، وتحت شجرة وارفة الظلال، تتواجد جاروشتنا، لم تتحرك من مكانها منذ عشرات السنين.. تكاد تغطيها الاعشاب التي تنبت حولها، فلا يراها من الطريق إلا من دقق النظر، وكان معنيا – مثلنا- برؤيتها.. حولها تتناثر بدون ترتيب: محراث عربي خشبي، وآخر حديدي، وشاعوب مذراة وصاع، وغيرها من الادوات، التي كان يستعملها كل فلاح فلسطيني.
جاروشتنا احضرها معه جدنا الاول، الذي قدم الى البلاد من اليمن، قبل قرنين من الزمان، واشتراها في طريقه من سوق الحميدية الدمشقي، وتكبد حماره الحوراني عناء حملها، وايصالها الى بلدنا. زرعها جدي على بلاطة ملساء واسعة تكاد تكون مسطبة، كانت تتسع لعشرات النساء وهنّ يجلسن حولها لجرش الحبوب، وجرش أخبار البلاد والعباد، واستقبال الباعة المتجولين، الذين كانوا يقصدون هذا التجمع النسائي الكبير، من أجل بيع بضاعتهم. وزرَع جدي بالقرب من الصخرة شجرة بلوط، كبرت حتى غطت بظلها كل فناء بيتنا، ووضعت جدتي جرة كبيرة من الفخار، بجانب جذع شجرة البلوط، كانت تملأها بالماء، الذي يبقى باردا حتى في أحر أيام الصيف، وكانت هذه الجرة موردا يشرب منها كل من يجلس تحت الشجرة، ومن يمر بها عطشانا.
على الصخرة، بجانب الجاروشة، كان يجلس البيك التركي في موسم الحصاد ودرس الغلة، منتظرا ما تجمع له من الضرائب، يدفعها الفلاحون للدولة العلية.. وتتناقل الأجيال المتعاقبة من عائلتنا أن أرضنا الغربية كانت منحة من الحاكم التركي، بعد ان روى عطشه من ماء الجرة في يوم قائظ.
 قررت ان أروي قصة جاروشتنا بعد ان عرض عليّ أخي كمال خطة متكاملة لاسترجاعها، واعادتها الى بيتنا، صحيح ان البلوطة لم تبق مكانها، فقد أمر الحاكم العسكري الانجليزي بقطعها، بعد ان تأكد أنها أصبحت ملجأ للثوار، يلتقون تحتها للراحة، وتجميع القوى، وبناء الخطط والانطلاق. أما الصخرة فقد تحولت الى أساس قوي لبيت بنيناه لأخي محمود، ولكننا متمسكون بها ولم ولن نتنازل عنها يوما، ولم نفقد الأمل في استرجاعها. وأكبر دليل على ذلك، زياراتنا الدائمة لها في أسْرها في حديقة جدعون.
قصة وصول جاروشتنا الى حديقة جدعون، سمعتها من جدتي عيشة مرات ومرات قبل تلتحق بالرفيق الاعلى، دون ان تبلّ ريقها بوداع احبائها – ومنهم الجاروشة. أخذوني بالليل من فرشتي.. وما صحيت ألا وانا قدام الزابط، في المركز..! هكذا كانت تبدأ القصة.. وعيناها تغوران في واد سحيق من الألم الدفين.. ظلوا يسألوني عن الثوار، وانا أجاوبهم –لا أعرف.. حتى ملوا.. عملت حالي هبلة..!
كانت تتسلل الى عينيها لمعة خجلة من فرح الانتصار، عندما تصل الى هذا المقطع من القصة.. ولما ارجعت على البيت ملقيتش الجاروشه – أخذوها.. الله ينتقم منهم..! كانت تنهي قصتها والدموع تسيل من عينيها، متخذة من الوديان، التي رسمتها السنون على صفحات خدودها مجرى لها، فتسارع الى اخراج محرمتها العتيقة لتمسحها، لتحمينا من ضربات سهام الحزن واللوعة.
عرفنا بعد ذلك ان جدعون هذا، كان القائد العسكري لمنطقتنا بعد احتلالها، من قبل
اليهود، وكان قبلها ضابطا في الجيش الانجليزي. وعرفنا انه استولى على ممتلكات الفلاحين الموجودة في حديقته بالقوة مستغلا وظيفته.
 سألت أخي عندما قدم ليصطحبني الى حديقة جدعون، لتنفيذ خطته قي استرجاع جاروشتنا منها، عن الذي يحمله في يده، عن فحوى هذا الكيس الورقي فأجاب أنها منوم كلاب، وسيستعمله في تنويم كلب جدعون، قبل أن ندخل الحديقة، ونخرج الجاروشة منها.
 ركبنا سيارتي وتوجهنا الى نتانيا.. الى حديقة جدعون.. وعندما وصلنا تفحصنا كل الشوارع المحيطة بالحديقة، فكانت خالية من المارة في تلك الساعة من ظهيرة هذا اليوم الصيفي الشديد الحرارة. نظرنا الى داخل الحديقة، فوجدناها تغط في سبات عميق، أما الكلب فكان رابضا في مكانه،لا نستطيع ان نعرف من موقعنا ان كان نائما، ام مغلقا عينيه نصف غلقة.
أخرج أخي قطعة اللحم، وغمسها بالمسحوق المنوم، ورماها من فوق السياج الى داخل الحديقة، فوقعت بالقرب من الكلب.. وقف الكلب ومشى خطوتين باتجاه قطعة اللحم والتقطها بانيابه ،ورجع ليربض قي مكانه، وراح يطحنها على مهل غير آبه أنه كان يطحن صبرنا معها. وعندما انتهى من اكلها عاد الى حالته الدائمة، لا تعرفه فيها ان كان نائما أم مستيقظا.
 صعد محمود بخفة الى أعلى الجدار، وقفز الى داخل الحديقة، وبقيت انا في الخارج، ليناولني الجاروشة من أعلى الجدار، الذي بلغ ارتفاعه عن الأرض نحو متر..
 وما هي الا لحظات، واذا بنباح قوي يمزق ستارات الصمت، التي كانت تخيم على
المكان.. تقدمت من الجدار، واعتليته بحيث أستطيع رؤية ما يحدث لمحمود في داخل الحديقة.. فرأيت منظرا مرعبا.. رايت عراكا مشتعلا بينه وبين الكلب.. الكلب شاهرا أنيابه ومخالبه الحادة، كأنها سكاكين سلت من جهنم، ويحاول بكل شراسة غرزها في لحم محمود.. أما محمود فكان يكيل الضربات للكلب بكل قواه، وبدأ الدم يرشح من وجهه ويديه.. وضعت يدي على أعلى الجدار، لأتخذها ركيزة أقفز عنها الى داخل الحديقة لنجدته.. واذا بصوت قوي يخترق أذني، فتجمدت في مكاني.. جلت بعيني لأتبين مصدر الصوت، فرأيت رجلا يشهر بندقيته باتجاه محمود، فجمدني الخوف والهلع مكاني، أما الكلب فرجع ليربض مكانه، كأنه لم يحدث شيء..
- ماذا تريد..!؟ ولماذا دخلت الى هنا..!؟ صرخ الرجل بمحمود، وهو يوجه البندقية باتجاهه.
- أردت أن أشرب الماء من الحنفية..! أجاب محمود بصوت هادئ..
- سأقتلك.. سأقتلك.. ! صاح الرجل مهددا متوعدا..
- لن تقتلني.. وكل ذنبي أنني دخلت بيتك لأشرب الماء..! قال محمود محاولا تثبيت خطة محاولته التخلص من الموقف.
- سأسلمك للشرطة.. هي التي تعرف كيف تتعامل مع أمثالك من العرب..! قال وهويضع هاتفه المحمول على أذنه.
- ماذا ستفعل بي الشرطة، عندما تعرف اني دخلت لأشرب الماء من الحنفية، ولم أخرب شيئا في بيتك..! استمر محمود في تطوير خطته، بعد ان لاحظ أنها بدأت تعطي ثمارها.
 واذا به يهجم على محمود ويبدأ بكيل الركلات له بصورة جنونية وهو يزعق :
- اني أكرهكم.. اني أكرهكم.. لا أقدر ان ارى أي عربي.. لماذا لم نطردكم جميعا..!؟.. لماذا أبقيناكم على قيد الحياة..!؟ لماذا..
 وهنا تعثرت قدمه بالجاروشة، في أثناء مطاردته لمحمود، الذي كان يحاول الابتعاد عن ضرباته، سقط عليها، فارتطم رأسه بها، وسال الدم غزيرا، واغتنم محمود انشغاله بدمه فاطلق لرجليه العنان، وولى هاربا، فقفز عن السور، متوجها الى سيارتنا، فلحقت به، وانطلقنا بها عائدين الى البيت.
 في المساء زارني محمود في غرفتي، حاملا على وجهه في مواقع كثيرة آثارأنياب ومخالب الكلب.. وسألني دون مقدمات:
- متى سنعود..!؟
- ألى أين..!؟
- للجاروشة!
فتذكرت دموع امي..!



(عرعرة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

المؤامرة الحالية على سوريا هي أيضًا مؤامرة على القضية الفلسطينية

featured

ليسقط الفاشل نتنياهو وحكومته

featured

ستبقى رام الله لطيفة

featured

ملاحظات أولية على هامش زيارة ليبيا

featured

لا نستغرب موقفك يا جو بايدين!

featured

النكبة تخص الجميع، وواجبنا نحن قيادة النضالات

featured

شذرات من مخطوط لجمعية في كفرياسيف عملت قبل قرن ونيّف (1-2)