أثارت زيارة وفد فلسطينيي الداخل لليبيا موجة من ردود الفعل المتباينة، محليًا وأبعد من ذلك أيضًا. أخبار الزيارة نقلت بتفاصيل التفاصيل، وذلك لأن بعض الإعلاميين شاركوا في الوفد وعملوا على تزويد مواقعهم الإخبارية بكل صغيرة وكبيرة، فالحدث هو الأول من نوعه، وغريزة الإعلامي للتفرد والتميز أدت إلى ما قرأه وشاهده المواطن من إفراط في نقل الأخبار والصور، وكأنها زيارة تبث على الهواء مباشرةً، أو إن شئتم بطريقة مشابهة لتلك القنوات التي تنقل برامج "ستار أكاديمي" أو "الأخ الأكبر".
شاركتُ في الوفد بصفتي الشخصية، وليس من خلال أي حزب أو مجموعة من تلك التي شاركت، فالدعوة وجهت لي مباشرةً من سعادة السفير الليبي في الأردن، الذي وضح بدوره أن الدعوة شخصية. ما عرفته لاحقاً أن بعض المدعوين حاول التدخل، لا من أجل زيادة حصة حزبه أو مجموعته، إنما من أجل شطب أسماء بعض المدعوين، وكان اسمي واحداً ممن استهدفتهم نصائح بعض الإخوة "الغيورين"، إلا أنهم لم ينجحوا، بل خلفوا وراءهم انطباعاً سيئًا لدى الدولة الداعية.
لن يكون هنالك إجماع حول تقييم هذه الزيارة، فبعض الإخوة صرَّح، وبعضهم كتب ناقدًا، وأحيانًا بشدة، الزيارة ومن شارك فيها. لا أتوخى، بدوري، أن أناقش هؤلاء، فلهم الحق، كل الحق، بأن يقولوا رأيهم، لا بل أعتقد أن هنالك حاجة ماسه لإجراء تقييم موضوعي جاد ومسؤول حول الزيارة، خاصةً فيما يتعلق من إعلان عن منطلقاتها ودواعيها وكذلك عن كيفية وآليات تنفيذها وما تخللها من أحداث ومواقف. برأيي أن هذه المسألة تبقى شأنًا وحاجة داخليه تخص الجماهير العربية في إسرائيل.
يجب إخضاع تقييم كهذا، في البداية والنهاية، إلى ما يتحدث باسمه كل حزب وحركة سياسية، وعلى رأسها لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، وهي مصلحة الجماهير العربية في إسرائيل، فهذه الزيارة كشفت مسائل خلافية كبيرة لم تستطع لجنة المتابعة، كإطار موحد ووعاء حاو ومظلة حامية، أن تمنع انعكاسها المخيب للظن وفي بعض الأحيان المشين والمخزي.
لا شأن لليبيا في ما حصل من مماحكات ومنافسات لا تزيدنا احترامًا، بل حاول سفيرها في الأردن أن يتعاطى بأناة وصبر يحسد عليهما، مع كل ما تكشَّف له من مشاحنات ومناكفات، وحاول كذلك استيعاب الجميع بحيادية مضيف يسعى لإنجاح بادرة هي الأولى من نوعها. إن الانطباع الذي تركه سفير ليبيا في هذه المسألة يشير إلى إلمامه الكامل بتفاصيل الخارطة السياسية الداخلية عند الجماهير العربية في إسرائيل، وأنه يحاول إنجاح هذه الزيارة، ولو من خلال تكريس وحدة الوفد شكلاً، ما دام التواصل مع الأمة العربية كان عنواناً ومضموناً مقبولين على من شارك وحضر.
أوضح سفير ليبيا في عمان الدكتور محمد البرغثي أن الدعوة الصادرة من القائد معمر القذافي تأتي بصفته رئيساً للقمة العربية. وكرئيس لهذه القمة أراد القائد أن ينصفنا كجماهير عربية صمدت في وطنها وحافظت على هويتها الوطنية وذلك بعد تهميش وتغييب داما لأكثر من ستة عقود، تجاهلت فيها الأنظمة العربية وشعوبها هذه الأقلية، لا بل أحياناً وَصَمتها بعار عكس جهل هذه الأمة ولم يعكس واقعاً وتاريخاً وتجربة سطَّرتهم نضالات هذه الأقلية. عملياً كانت هذه الدعوة استجابة لصرخات طيلة تلك العقود الماضية وكان من شأنها أن تكسر حصار الإخوة الذي كان أشد مضاضة من حصار إسرائيل.
يكفي الزيارة ما توَّجها من عنوان وهدف لتبريرها وتنفيذها، وهي لهذا تعد بادرة لتصويب موقف خاطئ ومسيء. باعتقادي كان على بعض المشاركين في الوفد تحييد كل مطامعهم الحزبية الضيقة وعدم التزاحم لإثبات صحة برامجهم السياسية والالتصاق بعنوان الزيارة الواحد والوحيد وتسخير كل طاقتهم لتكريس هذا العنوان والهدف.
ردود فعل وسلوكيات بعض المشاركين كانت مسيئة لهدف الزيارة المعلن، فمن اعتقد انه سيسمع من القائد معمر القذافي موقفًا سياسيًا مغايرًا لموقفِه المعلن منذ سنين ورؤياه لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني كان مخطئًا.
وأولئك الذين استقووا حيال ما سمعوه من القائد، وآثروا تسجيل نصرهم السياسي على حساب وحدة الوفد وعنوان الزيارة الأساسي والوحيد، أخطأوا بحق الزيارة وبحق القائد معمر القذافي نفسه.
أسئلة كثيرة وكبيرة أثارتها الزيارة، وسأحاول إبداء رأيي الخاص فيها في مقالتي القادمة، وهذه ستتمحور حول لجنة المتابعة العليا ودورها في ظل أحداث الزيارة وتداعياتها، وكذلك شعار التواصل كيف والى أين؟ وكذلك حول الخطاب السياسي الذي استعرضته الأحزاب والحركات المشاركة في الوفد، وتوافقه مع ما نعرفه عن هذه المواقف قبل الزيارة، بمنأى عن ما أكده القائد القذافي من مواقف سياسية وغيرها، تبقى حرية التماثل معها، أو الاختلاف عليها، مسألة خاصة بكل حزب وحركة ومشارك.
في جميع الأحوال شكرا لليبيا ولقائدها، وشكرا لسفيرها في عمان، فعلى الرغم مما شاب هذه الزيارة من حوادث وطرائف، تبقى مبادرة القائد بادرة وسابقة تسجل في التاريخ وللتاريخ، أما البقية فستأتي.
