عكوز المثل !

single
هل عكوز الاسم الحقيقي لابي باسم؟ سألت مرة المرحوم والدي قد ما بتردد اسمه في الدواوين، قال، اسمه الحقيقي اسماعيل المصطفى، ولكن نحن العرب لا احد في العالم يستطيع ان ينافسنا في اطلاق صواريخ الشتائم متعددة الاعماق التي تصل الى هتك الارحام، وفي التنابز بالالقاب، جارتنا ام عمران اذا انطلق لسانها السليط في اطلاق قذائف من "الزنار وتحت" تهزم اكبر جيش جرار من الاجانب! وتقريبا لكل اسم في البلد لقب يعرف به في "العلاقات العامة" المتداولة بين الناس ويطمس الكنية الحقيقية. وكما للصناعة فروعها فللشتائم وتنابز الالقاب فروعها، ففي "الاستقامة الوطنية" نسمع عن الخائن والعميل وسمسار الارض والوطن والانتهازي "والعايبة" و "المنبوطة"... وفي "الانتماء المهني" فسمع عن "ابراهيم المحمص" و "عوض الفلافل" و "شحادة الحلاق" و "ابو نعيم الشوفير" و "ابو الوليد الحلونجي" ... اما العكوز فللقبه قصة خاصة، قال والدي وتابع – فابن عمه اسماعيل المصطفى اختلف مع جاره حسن العلي على حدود الارض بينهما، ولم يستطع وينجح اهل الصلح في اصلاح ذات البين بينهما، واصبحت حياتهما جحيما "وزقار ونقار" واشعال عود كبريت كان كفيلا باشتعال النيران. ويقال ان حسن العلي استغل قضية الخلاف على شبرين من الارض حتى يحكم بالاعدام على علاقة الحب التي كانت تربط ابن جاره محمود مع ابنته زهية. في احد الايام اشتكى ابن حسن العلي لوالده ان زهية ومحمود كانا يتحدثان من الشبابيك المتقابلة. زمجر وارعد وابرق حسن العلي وخرج ولسانه يسبقه بالشتائم والتهديد لدار اسماعيل المصطفى، وفي عز الطوشة اخرج حسن العلي من جيب جاكيته مسدسا واطلق باغة من الرصاص اصابت اكثر من مقتل في جسم اسماعيل المصطفى، ولكنه مثل البس بستة ارواح، ركل بارجله شبح الموت ولكن الرصاص اخترق عظم رجليه فسبب له عطلا مزمنا استعان بالعكاكيز في حركته، وكان اول من مشى على العكاكيز في البلد، ولهذا لقب بعكوز الذي لصق به طول حياته. اما حسن العلي فاقتادوه الى السجن. وتدخل الوجهاء من اهل الخير والصلح واظهر عكوز معدنه الاصيل فقال للجاهة، العنف يدمر البيوت والعائلات والبلد، ياما حاولت مع المرحوم ان نحل القضية بالتفاهم ولكن رأسه ايبس من الصوان، يا جماعة انا متنازل عن حقي، جارك القريب ولا اخوك البعيد، ولنقل ان الرصاص انطلق بالخطأ وليس بقصد القتل، وانا مستعد ان اكون اول من يصافحه ونعقد راية الصلح بيننا.
وفعلا استطاع المحامون انقاذ رقبة حسن العلي من معاناة سجن طويل الامد، حكم سنة واحدة فقط وخرج الى رحاب الحرية. وخلال هذه السنة وبالتشاور مع حسن العلي تم ترتيب وتجهيز الاستعدادات لفرح محمود من زهية بعد اسبوع من اطلاق سراح الوالد. وكانت الفرحة مزدوجة والعرس عرسين. وقال والدي "مسلك الناس ميزان لاخلاقهم ويعكس درجة ومستوى تطورهم الحضاري الاجتماعي والثقافي". واصبح عكوز مثلا يحتذى للاخلاق الحميدة واصبح مستشارا ومرجعية لحل خلافات العنف، خاصة وان بلدنا ركبتها نكبة شيطان العنف، فنقاش من طعم تبغه افضل قاد الى قتل عوض المسعود على يد زميله رياض الحناوي، وابن راعي العجال قتله صلاح الوافد بادعاء انه تعمد ادخال الطرش الى مارس زرعه في السهل، وحفيظة الموسى قتلها خطيبها كريم اليوسف بادعاء انها "لوثت الشرف بمغازلة ابن جيرانها، ومحمد الداهود شتم الخوري وسيدنا المسيح عليه السلام بادعاء ان بطرس الحنا تعرض لشرف فاطمة الزهراء وبيت الرسول "صلعم" وخوري البلد مع الامام وعكوز دفنوا الفتنة الطائفية وهي في المهد. وذاع صيت عكوز وقدرته على حل المشاكل وقوة منطقه واستقامة موقفه في مختلف قرى ومدن الجليل. ولتسهيل تنقلاته بين القرى وبتبرعات من اهل البلد جميعا، من مسلمين ومسيحيين، ومن مختلف العائلات اشتروا حمارين، واحد للعكوز وآخر لمساعدته في مشاويره وبمبادرة العكوز اقيم في البلد مجلس استشاري من ممثلي مختلف العائلات والطوائف لاطفاء حرائق العنف وعقد اجتماعات تنوير للشباب وحتى لاطفال المدارس حول التربية بروح الاخوّة والتعايش والحوار الحضاري بعيدا عن مختلف اشكال العنف والعمل على ترسيخ هوية الانتماء القومي الوطني التقدمي.
سألني يومها والدي، وكنت شلفوحا صغيرا، ما رأيك في عكوز؟ قلت، الظاهر انه تربّى عند الحمر، فالتربية بشحن الانسان بهذه الاخلاق الحميدة هي من شيم الحمر ومبادئهم، ويعتز الحمر ان يكون عكوز احد جنودهم! قال والدي! بعدك قد الصوص وبتحكي زي كبار الحمر، ربنا ينجينا من شيطان العنف.
قد يهمّكم أيضا..
featured

الحرية واللباس

featured

رافضو الاعتدال

featured

في ذكرى نكسة الـ67

featured

ماذا لو وصلت الانتفاضة الى عُقْر المستوطنات

featured

وتطول الساعة أكثر من يوم!

featured

الخامس والعشرون من آذار قبل عام

featured

وقفات على المفارق مع البطون الخاوية والحريّة

featured

هل تستعد غزة الصمود والتصدي لتسطير ملحمة البطولة بهزيمة المعتدين !؟