المؤامرة الحالية على سوريا هي أيضًا مؤامرة على القضية الفلسطينية

single

 الأقطار الأربعة التي هي سورية الحالية، وفلسطين، ولبنان وشرق الأردن، هي تاريخيًا قطر عربي واحد هو سورية الكبرى الطبيعية، المعروفة أيضًا ببلاد الشام وتعرضت للتجزئة الحالية في عام 1916 على أيدي الاستعمار البريطاني والفرنسي وذلك حسب اتفاقية استعمارية بينهما معروفة باتفاقية "سايكس – بيكو" وتم فعلهما هذا بعد التمكن من زوال الاحتلال العثماني عن بلاد الشام أي من سورية الكبرى. وتم ذلك باشتراك عرب بلاد الشام في النضال للتخلص من الحكم العثماني وتحقيق استقلالهم عنه، وشارك أيضًا ضد الحكم العثماني عرب بلاد الحجاز بقيادة أمير مكة المكرمة الشريف حسين، الذي وعده البريطانيون بتنصيبه ملكًا على العرب في شبه الجزيرة العربية. لكنهم أخلّوا بوعدهم له. وجزأوا سورية الطبيعية لأربعة أقطار كما ذكر أعلاه. سورية ولبنان وقعتا تحت الاستعمار الفرنسي، وفلسطين وشرق الأردن والعراق وقعت تحت الاستعمار البريطاني. وهذا سهّل على الحكومة البريطانية، تنفيذ وعد وزير خارجيتها "بلفور" لليهود، أي الوعد الذي أسس بواسطة السلطة البريطانية آنذاك لقيام الكيان الإسرائيلي في عام 1948 على الجزء الأكبر من ارض فلسطين.
نعم، فان المواطنين في الأقطار الأربعة، سورية الحالية، المذكورة سابقًا، هم بالأساس أبناء قطر عربي واحد هو سورية التاريخية المعروفة أيضًا "ببلاد الشام" وان أطماع الدول الاستعمارية عامة أصابت شعوبا عديدة في آسيا وفي افريقيا وفي غيرهما أيضًا من بلاد العالم بالتجزئة التي تسهّل على الأجانب تحقيق أطماعهم ومصالحهم الاستعمارية، وذلك على حساب شعوب البلاد التي استعمروها بقوة السلاح، والبلاء الاستعماري هذا لم يقتصر على عرب بلاد الشام فقط بل أصاب الوطن العربي بكامله من الخليج العربي شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا. وأثمر هذا واقعًا عربيًا سلبيًا سهّل على الأجانب الاستعماريين تحقيق مآربهم على حساب امتنا العربية وأمم وشعوب أخرى أيضًا، لكن ذلك لم يضعف في العرب الشعور القومي العربي وانتسابنا لأمة عربية واحدة صاحبة دور تاريخي ايجابي ومشرّف. ولعرب بلاد الشام أي سورية الكبرى، دور أساسي ورئيسي فيه، منذ كانت مدينة "دمشق" عاصمة الأمويين الذين امتدت دولتهم من حدود الهند والصين شرقًا إلى المغرب العربي المشرف على المحيط الأطلسي غربًا، وشمل ذلك أيضًا اسبانيا التي عرفت أثناء وجود العرب فيها ببلاد الأندلس، فالعرب أسهموا إسهامًا رئيسيًا بازدهار الحضارة الإنسانية، حيث لم يتوقف الازدهار والتطور العربي عن الانتشار والتسرب لبلدان العالم. بل استمر ذلك لعدة قرون. ومنذ ذلك الوقت وحتى أيامنا الحالية، وبلاد الشام أي سورية الكبرى، توصف بأنها "قلب العروبة النابض".
جئت على ذكر ذلك في هذا المقال، للتذكير بالدور التاريخي الحضاري للعرب السوريين ثم الانتقال إلى الذي تتعرض له سورية طوال عامين حتى الآن. على أيدي المعارضة المسلحة السورية وجناحها غير المسلح والمقيم خارج سورية. ومعروف للجميع أن هذه المعارضة لا تمثل سوى أقلية من المواطنين السوريين، وهي مدعومة بالمال والسلاح وبوسائل الإعلام، من حكام قطر والسعودية، ومن الحكومة التركية أيضًا، ومدعومة سياسيًا من الدول الامبريالية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، ومن جهات أخرى عربية حساباتها السياسية خاطئة، فهي لا تقدم الرئيسي على الثانوي، لكنها غير متورطة مباشرة بالتآمر على النظام الوطني السوري، المحتضن من غالبية الشعب السوري الذي نحن سكان القرى السورية المحتلة منذ شهر حزيران 1967، جزء منه شعبًا وأرضًا، ومهما طال عمر الاحتلال الإسرائيلي سنبقى ننتظر يوم خلاصنا منه والعودة لأحضان وطننا وشعبنا من جديد.
هذا ولم يعد خافيًا على المواطن العربي الشريف ويمتلك الوعي السياسي الكافي، بأن غاية هذه المؤامرة والمقصود منها، هو وقوع سورية بأيدي الحكام العربان المتذيلين للدول الامبريالية، والولايات المتحدة الأمريكية خاصة، المتعاطفة مع إسرائيل منذ وجدت في عام 1948 إلى يومنا هذا كما لو هي إحدى ولاياتها الأمريكية في هذه المنطقة من العالم. ان الطغمة السورية العسكرية والسياسية الضالعة بهذه المؤامرة، مسنودة بالمال وبالسلاح وبالإعلام، من الحكام الرجعيين والجهلاء في المشرق العربي، في مقدمتهم الأسرة الحاكمة في قطر، والأسرة الحاكمة في السعودية، كما تحتضن هذه المؤامرة والمتآمرين الحكومة الحالية في تركية الجارة لسورية من الجهة الشمالية، كما لم يعد خافيًا أن غاية هذه المؤامرة والمتآمرين إسقاط النظام السوري الحالي، لصالح المفرِّطين بالحقوق الوطنية الفلسطينية والمتواطئين مع أعداء المستقبل العربي المنشود، الذين همهم الأكبر استمرار العرب ضعفاء وغير قادرين على تغيير موازين القوة لمصلحتهم الوطنية والقومية المضادة للأطماع التوسعية الإسرائيلية.
نعم هذا هو المقصود من هذه المؤامرة على سورية. حيث استبدال نظامها السياسي الحالي وحكامها بنظام رجعي، وبحكام منقادين للإدارة الأمريكية والدول الامبريالية الأخرى هو المطلوب تحقيقه مقابل مساندة ودعم المتآمرين على سورية ونظامها المخلص للحقوق الوطنية الفلسطينية كما هو مخلص لوطنه سورية وحقوقها ومصلحتها وكرامتها. نعم وألف نعم فالمقصود من المؤامرة هذه ومن إسقاط النظام السياسي العروبي والتقدمي في سورية، فتح الباب واسعًا أمام حكام إسرائيل لتحقيق مآربهم بدون دفع الثمن المطلوب وهو الاحتكام للشرعية الدولية. أو على الأقل تنفيذ الذي تم الاتفاق عليه في مؤتمر مدريد للسلام الذي انعقد في عام 1991 وحضر احتفال افتتاحه الرئيس الأمريكي، والرئيس السوفييتي آنذاك. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي ودول حلف وارسو الاشتراكية، ألغت إسرائيل موافقتها على كل الذي وافقت عليه ووقعت عليه في المؤتمر. ولم تعترض الإدارة الأمريكية والدول الامبريالية على هذا الموقف الإسرائيلي المجهض لمطلب السلام المنشود.
نعم وألف نعم، ان سورية الموصوفة بأنها قلب العروبة النابض، لا يمكن ان تتخلى عن مناصرتها للقضية الفلسطينية، إلا إذا نجح الأعداء في إسقاط نظامها الحالي واستبداله بنظام آخر عميل، سداه ولحمته من العملاء لأمريكا وأتباعها الذين هم حاليًا يحاولون الوصول إلى مبتغاهم بكل الوسائل الممكنة لهم. وجئت على ذكر ذلك كله في هذا المقال، لكي أذكّر من هم بحاجة للتذكير، بأن أعداء المستقبل العربي الايجابي المنشود الذين هم بالدرجة الأولى الصهاينة، والامبرياليون، والحكام العرب العملاء والجهلاء، هم المتآمرون الاساسيون على النظام الحالي في سورية. والفئة السورية العسكرية والمدنية المأجورة والمكلفة بإسقاط النظام السوري لن تنجح ولن تتمكن من تحقيق المهمة المكلفة بها، وهي خاسرة حتمًا وفاشلة حتمًا، لأن شعبنا العربي السوري زادته هذه الأحداث خبرة ومقدرة على تحمل الصعاب والتغلب عليها في نهاية المطاف.

 

(مجدل شمس – الجولان العربي السوري المحتل)

قد يهمّكم أيضا..
featured

المفاوضات المباشرة

featured

لذكرى رحيل العم نسيم جريس عزّام (أبو منذر): شاهدٌ على نهضة شفاعمرو

featured

هنيئا لحزبنا بحرسه الفتي

featured

عن كتاب "حماة الديار"، تأليف د. خالد تركي: حماة تاريخ يحمي الوطن والشعب

featured

ثلاثة عَجَزَة، وحدهم في جَيْب معزولون

featured

لزيادة تمثيل من صاغ الهوية الكفاحية لجماهيرنا العربية!

featured

الى متى وجود من يئن من الجوع ومن يئن من التخمة؟

featured

"كل الداير معانا ونخسر الدّق"