*السؤال اذًا، كيف نحمل السلطة ولا سيما اللجان المحلية على تحريك المخططات الهيكلية الضرورية*
في خضمّ الحديث عن انعدام مخططات هيكلية تفصيلية في كثير من المناطق العربية في البلاد، وهو ما يمنع المواطنين العرب من إصدار رخص بناء على أراضيهم، يُطرَح التساؤل عن الجهة المسؤولة عن تحريك هذه المخططات وعن الوسائل التي يستطيع المواطنون العرب والسلطات المحلية العربية استنفادها في هذا الشأن. في مقالتي هذه سأعالج هذين السؤالين باختصار.
بداية، إن الحاجة إلى تأمين مخططات هيكلية تفصيلية تعود في الأصل إلى قانون التنظيم والبناء لعام 1965 الذي يحظر إصدار رخصة بناء إن لم تكن حسب مخطط تفصيلي يشتمل على تقسيم للأرض ويحدد نوع استعمال الأرض ونسبة البناء المتاحة وحدود وارتفاع البناء. لهذا، فان أصحاب الأراضي التي تفتقر إلى مخطط تفصيلي من هذا النوع لا يستطيعون إصدار رخص بناء لتحقيق حوائجهم.
وهنا يكمن السؤال عن الجهة المسؤولة عن تحريك مخططات تفصيلية من هذا النوع. وفي هذا الشأن، أشير إلى أن قانون التنظيم والبناء بصيغته السابقة قبل أن يعدّل جذريا عام 1995 بتعديل رقم 43، ألزم لجان التنظيم والبناء المحلية بتحريك المخططات الهيكلية المحلية الضرورية. ولكن بعد أن ادعت اللجان المحلية أن هذا الواجب القانوني فوق قدرتها واستطاعتها، قام المشرّع في تعديل 43 بإبطال هذا الواجب، واستعاض عن ذلك بمنح المواطن لأول مرة الحق في تحريك مخطط تفصيلي على أرض يملكها أو تخصّه. مع ذلك، في رأيي، لا تزال لجان التنظيم المحلية ملزمة بتحريك المخططات الهيكلية المحلية والتفصيلية المطلوبة، وذلك لأمرين بالأساس. أولا، مع أن القانون الحالي أبطل واجب اللجان المحلية تأمين المخططات الهيكلية اللازمة، فإنه يخوّل كل لجنة لوائية للتنظيم والبناء أن تأمر اللجنة المحلية التابعة لها بإعداد مخطط هيكلي محلي أو تفصيلي إن رأت اللجنة اللوائية ضرورة لذلك. ثانيا، أخذَ الفقه القانوني يميل في السنوات الأخيرة الى اشتقاق واجب الدولة في التخطيط من حق المواطن في المسكن والعائلة والعمل والكرامة وغيرها، وهي حقوق أساسية ودستورية وجزء كبير منها محفوظ في القانون الدولي. استنادًا الى ذلك، يقضي الفقه القانوني أنه في حالات معينة يصبح من غير المعقول ألا تمارس لجنة التنظيم والبناء المحلية صلاحيتها في تأمين المخططات الهيكلية الضرورية على نحو يحوّل وظيفتها في التخطيط من خيار إلى واجب.
فعليا، توجد أفضلية واضحة للتخطيط من قبل السلطة على التخطيط من قبل المواطن وذلك لأسباب كثيرة. أذكر منها، أولا، أنّ الكلفة المادية لتحريك مخطط تفصيلي باهظة جدا وقد تصل في أبسط الحالات إلى عشرات آلاف الدولارات فلا يستطيع كل مواطن تحمّلها. في المقابل، تستطيع السلطة بلا شك تحمّل هذه الكلفة إن حصلت على الميزانيات المطلوبة. ثانيا، في أرض مشاعة، لا يمكن، مبدئيا، لواحد من أصحاب الأرض تحريك مخطط هيكلي إلا إذا حصل على موافقة سائر شركائه في الأرض أو حرك المخطط كمخطط للتوحيد والتقسيم دون موافقة الشركاء، وهو مخطط عسير وشاق لأنّ تصديقه منوط بأمور أساسية كثيرة. في المقابل، وبخلاف المواطن، تحريك وتصديق مخطط من قبل السلطة، غير منوطين بموافقة أصحاب الأراضي التي داخل المخطط. ثالثا، إنّ المخطط الذي يقدمه المواطن تكون مناقشته قيد الانتظار في لجان التنظيم مع مخططات كثيرة أخرى، وهو ما يؤخر مناقشته وتصديقه نظرًا لكمية المخططات التفصيلية الكثيرة المطروحة أمام لجان التنظيم والبناء في البلاد. في المقابل، وبخلاف مخطط المواطن، فإن قانون التنظيم والبناء يفرض على لجنة التنظيم مناقشة الطلبات التي تقدمها الدولة والبت فيها قبل أي طلب آخر.
يبقى السؤال اذًا، كيف نحمل السلطة ولا سيما اللجان المحلية على تحريك المخططات الهيكلية الضرورية. في هذا الشأن، أرى أن العمل يجب أن يكون، مبدئيا، في ثلاثة مسارات: الأول قضائي والثاني إداري والثالث تشريعي. في المسار القضائي يوصى بدراسة التوجه إلى المحاكم المختصة بالتماسات تطالب لجان التنظيم المحلية ومؤسسات الدولة المعنية بتأمين المخططات الهيكلية الضرورية لمنطقة أو لبلدة معينة. وفي الحقيقة، وبعد أن جرّبت هذا المسار بنفسي في التماسات مختلفة كنت قدمتها، أستطيع القول إن التماسات من هذا النوع تساهم كثيرًا في تحريك الجمود التخطيطي الذي نعانيه في كثير من البلدات العربية. وفي المسار القضائي نفسه، يجب على المواطنين الذين لحقهم ضرر من انعدام مخطط هيكلي محلي أو تفصيلي أن يدرسوا التوجه الى المحاكم المختصة بدعاوى مدنية تطالب الدولة أن تعوّضهم ماديا عن خسائرهم إثر عجزهم عن إصدار رخص بناء في أراضيهم لانعدام المخطط المطلوب الذي كان على مؤسسات الدولة تأمينه. أما في المسار الثاني وهو الإداري، فيمكن التوجه إلى مراقب الدولة بشكوى خاصة عن تقصير الدولة أو مؤسسات التنظيم والبناء في تأمين المخطط الهيكلي المطلوب، ومراقب الدولة مخوّل حسب القانون ببحث الشكوى وتقديم التوصيات اللازمة. يمكن التوجه أيضًا إلى وزير الداخلية بصفته الوزير المؤتمن على تنفيذ قانون التنظيم والبناء ومطالبته بإصدار التعليمات أو الأحكام الضرورية في هذا الخصوص. وعلى صعيد المسار الثالث وهو التشريعي فيجب دراسة العمل على تعديل قانون التنظيم والبناء الحالي من خلال إدخال مواد تلزم اللجان المحلية للتنظيم والبناء بإعداد الخرائط الهيكلية المطلوبة خلال مدة محددة أو من خلال بدائل أخرى مناسبة.
إن انعدام التخطيط الهيكلي والتفصيلي في كثير من البلدات العربية بالغ الخطورة إذا ما أخذنا بالحسبان موقف القضاء أن تقصير لجان التنظيم والبناء في تأمين المخططات الهيكلية المطلوبة لا يعطي المواطن اعفاءً عن "جريمة" البناء دون رخصة ولا يُعدّ سببًا لتجميد أوامر الهدم. ولهذا أدعو كل الجهات المعنية في مجتمعنا العربي دراسة كل الخطوات الممكنة لتأمين المخططات الهيكلية الناقصة، آملا أن تكون مقالتي هذه مادة أولية لمناقشة الموضوع.
