يوم الارض الخالد في الثلاثين من آذار من سنة 1976، واحد واربعون عاما مرت على مأثرة وملحمة العرب الفلسطينيين الباقين في وطنهم. هذه المناسبة الوطنية التي تجسد حلم وحقيقة الصمود والبقاء بل الدفاع عن الجذور والحق بالتطور والازدهار وبناء المستقبل على ارض الآباء واجداد الاجداد. هي ذكرى ولا ككل الذكريات، انها تمثل الهم في صيانة الارض والعرض، وقد اصبحت هذه الذكرى وارتقت الى مستوى التحديات في الصراع مع اقطاب المؤسسة الحاكمة والصهيونية العنصرية الآخذة في التحول نحو الفاشية.
إن الاحداث اليومية المتسارعة على ساحة الصراع والبقاء والصمود للجماهير الفلسطينية الباقية في وطنها تبرز الآن قضية الارض والمسكن، وتتفاعل باتجاهات مختلفة من سياسة التحريض العنصري على هذه الجماهير المقموعة والمضطهدة والمهمشة، الى هدم البيت ومصادرة الارض وكتم الصوت وخنق الحريات الى طمس المعالم الفلسطينية العربية في هذه البلاد. والتنكر للوجود العربي والفلسطيني على هذه الارض التي تنطق باللغة العربية اولا واللهجة الفلسطينية ثانيا. ولهذا اعلن نتنياهو واقطاب حكومته الحرب بكل ما تحمله الكلمة من معان تجاه البشر والحجر والشجر نتيجة لتعاظم قوة ومكانة تأثير ودور الجماهير الفلسطينية الباقية وقيادتها السياسية في كشف المستور والمدفون في احلام هذه الحكومة العنصرية التي تبني خططها المستقبلية على كيفية التخلص او التقليل اكثر ما يمكن من نمو وتطور هذه الجماهير على المدى البعيد في ارض وتراب وطنها. ولهذا تتعرض الجماهير العربية في الفترة الاخيرة الى حملة تحريض وتدمير وهدم وقلع ومصادرة وانتهاك للحريات والعنف، في ظل اشنع وابشع سياسة تستهدف الوجود العربي الفلسطيني في هذه البلاد. ولان هذه البقية الباقية من العرب الفلسطينيين الصامدة في وطنها تشكل حجر عثرة امام اكمال المشروع الصهيوني في فرض وبسط النفوذ على كامل التراب الفلسطيني الشرق اوسطي، ولطي صفحة الحق الفلسطيني في وطنه وفض الارتباط المقدس بين المواطن العربي ابن هذه الارض وبين ما كانت تسمى فلسطين الاصل، واليوم تسمى فلسطين الاصل والحق.
أحداث يوم الارض قبل 40 عاما مضت كانت تهدف الى نهب وتشليح العرب في الجليل وغيره اراضيهم ما بين المصادرة والاغلاق العسكري وبين فرض الضرائب الباهظة والاجراءات الاجبارية والضغوط والاغراءات المالية، بمعنى سحب الارض من تحت اقدام اصحابها المتوارثين عليها جيلا وراء جيل، كنوع من محاولة الفصل او نسخ صك الحب الابدي بين صاحب ومالك الارض والوطن، وبين تراب وارض الوطن، ما يسعى اليه اقطاب الحركة الصهيونية منذ ما يزيد اكثر عن مئة عام، هو افراغ الارض من اصحابها الشرعيين وفض الشراكة الروحية والدينية وتذويب الكرامة الوطنية والنوعية بين المواطن الفلسطيني وارضه في الجليل والمثلث والنقب وكل جزء من فلسطين التاريخية.
كم هي شبيهة احداث الامس باليوم، فالهجمة المسعورة غير المسبوقة من قبل نتنياهو واقطاب حكومته ولجان التنظيم اللوائية وكافة المؤسسات والدوائر الحكومية العنصرية تعمل كالأخطبوط اليوم باستهداف المأوى ليكتمل المخطط على ترحيل الشعب او ما تبقى منه، بعد ان استولوا على الارض والوطن. اذ اصبح هدم المأوى والبيت وتدمير مصادر الحياة والبقاء ودب الخوف والرعب، تصبح عملية التشريد والتهجير سهلة لتعود ثانية على اعتباراتها اكثر من رسالة حكومية، عن ان من لا يذعن لاجراءات وقوانين الدولة سيجري سحب البساط بهدم المزيد من البيوت العربية كما جرى في ام الحيران وقلنسوة وكفر قاسم تماشيا مع عمليات الهدم الجارية في القدس العربية ومحيطها، بغية الزحف والضم وقطع الطريق كليا وللابد على حل الدولتين واقامة القدس الكبرى الموحدة عاصمة بني صهيون الأبدية.
حكومة نتنياهو ذات التوجهات العنصرية والفاشية بانتهاجها خط المواجهة واراقة الدماء وتضييق الخناق على اكثر من 20% من سكان البلاد والمواطنين العرب، انما هي تدفع بهذه الجماهير المغلوبة والمقموعة اصلا الى البحث عن اشكال جديدة للنضال وللحفاظ على انتزاع حقوقها اليومية والقومية في وطنها، فشدة الضغط ومحاصرة الناس ومصادرة الحقوق وهدر الكرامة لشعب، لا يمكن الا ان تولد انفجارات في مخزون التحمل وخروج الناس والجماهير للشوارع تعبيرا عن رفضها المطلق لهذه السياسات العنصرية القائمة على مصادرة الحق وتهميش وتغييب الغير واذلال وقمع فاق كل الحدود والمقاييس، ان من يسعى لاخراج الجماهير العربية من دائرة المواطنة والتأثير في واقع الامر وعدم الاعتراف بها وبحقوقها اليومية والقومية يبقى من الصعب عليه فهم معنى الامتداد التاريخي ومقومات النضال لهذا الشعب الذي تضرب جذوره عميقا في باطن هذه الارض. فالشعب الفلسطيني رغم كل الويلات يبقى هو صاحب الحل والربط على هذه الارض التي سيحيا ويموت وينجب فيها جيلا بعد جيل.
ذكرى يوم الارض ذات العام تجري في ظل تاريخ وسجل اسود لهذه الحكومة وانفلات عنصري غير مسبوق ضد المواطنين العرب يستهدف قطع الطريق على المستقبل بالتطور والازدهار في ابقاء الجماهير العربية في دائرة التهميش دون المستوى باعتبارها مجرد مجموعات لا يربطها أي رابط قومي او وطني في الوقت الذي تسعى فيه حكومة اليمين الفاشي الى تحييد ازمتها السياسية الفاشلة مع ازمة الحكم والعنصرية المعادية للعرب والدمقراطية والسلام، بخطف الانظار عن ما يجري داخل هرم السلطة من فضائح، رشاوى وافساد وفساد مالي وسياسي بعد ان احتل نتنياهو المكان الاول في الفساد في الوقت الذي يخضع للتحقيقات المكثفة وسط الادانة وبين الاستقالة ، تقريب موعد الانتخابات البرلمانية في الوقت الذي يجري الحديث عن اواسط آذار 2018.
الجماهير العربية من جهتها تعيش حالة ترقب ومواجهة دائمة مع مثل هذه الحكومة التي يجلس نتنياهو على رأسها، يعلن الحرب على الجماهير العربية بينما يكافح المواطنون العرب سياسات نتنياهو التدميرية دفاعا عن الهوية الوطنية والحق الطبيعي في التطور والازدهار. الوضع اصبح يهدد باندلاع يوم ارض جديد، باسم ودفاعا عن البيت والمأوى وعدم السماح بموجة تشريد وتهجير ثانية لجماهيرنا العربية، ان من يتحمل تبعية هذا الوضع وما تعانيه الجماهير العربية هي حكومة نتنياهو العنصرية،فإعلانها الحرب على هذه الجماهير مواطني الدولة وحقها في البناء والتطور، والانتماء لهذه الارض ولهذا الوطن يفقد الحكومة ديمقراطيتها وانسانيتها واخلاقياتها ويدخلها في دائرة الابرتهايد واللاسامية، فحكومة من هذا النوع لا تستطيع العيش الا على مزابل التفرقة والعنصرية والاضطهاد والتمييز القومي والطبقي. فحكام اسرائيل يحاربون الجماهير العربية على انتمائها واصالتها العروبية وانتمائها القومي ومحاولتها اخراج هذه الجماهير خارج دائرة الارض والوطن والانتماء. فليس صدفة في السنوات الاخيرة ان شنت حكومة نتنياهو ورفعت شعارها العنصري غير الدمقراطي في وجه الشعب الفلسطيني المستهدف الاول من الجماهير العربية في وطنها، ان اعلنت بضرورة الاعتراف بيهودية الدولة كجزء من الاعتراف العام بإنهاء الصراع بين الاسرائيليين والفلسطينيين.
لقد غدا يوم الارض الخالد احد اهم الايام الكفاحية في ترسيخ قيم الصمود والتصدي وصيانة الوحدة الوطنية والوقوف امام عنجهية حكام اسرائيل. بعد حوالي واحد واربعين عاما على معركة يوم الارض وسقوط الشهداء تدفع بنا حكومة نتنياهو الى الاستعداد لاجتراح يوم آخر وتاريخ جديد ومتجدد،فالأيام القادمة على ما يظهر اصبحت حُبلى وحان موعد المخاض في تفجر الاوضاع والاعلان عن انتفاضة سلمية للجماهير العربية من اجل ضمان وحماية البيت والمأوى ومنع خطر الاستفراد بالمواطن العربي، كي لا يكون عرضة لهضم حقوقه اليومية والقومية ولكي لا يكون ريشة في مهب السفر والتشرد والهلاك ثانية. فاذ كانت حكومة نتنياهو العدوانية تدفع بجماهيرنا في اتجاه المواجهة وتوتير الاجواء وتسخين العلاقة معها تمهيدا للبطش بنا، فان الجماهير العربية الموحدة، لديها تجربتها ودروسها واسلوبها في النضال لإسقاط مشاريع الحكومة، وبالتالي لا تتوانى في افشال مشاريع الصهيونية وحكام اسرائيل في اخراجنا من ارضنا ووطننا وكما قال شاعرنا الكبير محمود درويش:
على هذه الارض ما يستحق الحياة.
وفي هذه الارض سوف نحيا ونعيش ونتكاثر جيلا وراء جيل
(أبو سنان –كويكات)
