عندما بكى وائل

single

الموقف الإسرائيلي إزاء ما يجري في مصر مستفِز ومستهجَن. فعلى الرغم من وضوح المشهد، وما يحمله من تداعيات محتومة سيكون لها إسقاطات مباشرة على علاقات إسرائيل بالدول العربية جميعها، ما زالت إسرائيل تتعامل مع ما يجري من باب التمني طورًا، ودائمًا من باب مصلحتها الضيقة.
يحاول حكام إسرائيل التأثير على ما يجري، ويحاولون كذلك أن يضمنوا ألا تقوِّض النهاية ما ساد من واقع أراحهم طيلة عقود، فغنموا ما غنموا على حساب الدول العربية وعلى حساب كرامة شعوبها وحريتها ورغيف خبزها.
لن تتأخر مواقف ثوار التحرير، وحتماً ستلامس في مرحلة مقبلة ما يتعدى شعارات ومطالب المرحلة. فعندما يكون المطلب العنوان إسقاط النظام السائد والحكم في مصر، يعني هذا حتمًا إسقاط كل ما مارسه هذا النظام متعارضًا مع قيم الحرية الإنسانية والكرامة الوطنية، وهما الأساسان الرئيسيان للفوز بمواطنة كاملة سليمة وديمقراطية حقيقية.
يجب أن لا يغيب عن خاطر كل متابع لما يجري، أنه وإن اقتصرت عناوين حركة 25 كانون الثاني على قضايا المصري الفقير الجائع المقموع، إلا إنها سرعان ما ستكشف أن الكرامة الفردية المنشودة تتوجها كرامة وطنية مصرية، ستأبى أن يدوم ميزان الشرط والاشتراط على النظام الحاكم الوليد ولن يبقى مقيّدًا بما أملته مصالح فئة فاسدة اغتنت ببطرٍ أعماها وأدى إلى تحالفها مع أنظمة وقوى أضرت بمصالحها الوطنية والقومية.
رد الفعل الإسرائيلي نابع من عنجهية نظام أُسر وما زال مأسورًا بفتنة القوة وتقييم خاطئ لما يكمن في قدرات شعوب الدول العربية، التي ما زالت إسرائيل تتمنى وتفترض أنها شعوب خانعة مروّضة يمكن الارتكان على أنها لن تثور ولن تشاكس. لا أجلى مما جرى ويجري في تونس ومصر، برهاناً على فداحة الأمنية وتفنيدًا للافتراض الإسرائيلي.
بعض المعلقين والإعلاميين الإسرائيليين ما زالوا، بجهل وبصفاقة، يصفون ما يحدث في ميادين وشوارع مصر بأنها أعمال شغب، وبهذا يتنكرون إلى أجمل وأهم ما اتسمت به هذه الثورة لغاية الآن: النظام، الهدوء والسلم.
لا أعتقد أن هؤلاء المغرضين، عندما يتخلون عن مهنيتهم ويخونونها ويحشون رأي شعبهم العام بمغالطات مقصودة وسامة، لم يلحظوا ما يشاهده الملايين في العالم ولم يهتزوا لدموع وائل غنيم!
يا الله! كم كانت دموع وائل ليست ككل الدموع. شاهدتُه أكثرَ من مرة وفي كل مرة بكيتُ معه وبكيت لأجله ولأجل ما أبكاه.
لا ينتمي وائل إلى حزب ولا إلى حركة فهو ابن هذا العصر والزمان، وهو ابن النيل ومثله هبة لمصر ولكل عزيز حر. رفض أن يكنى بالبطل وأحال ذلك إلى شعب مصر المنتفض الثائر. بكى بحرقة صادقة وعفوية تلامس رومانسية الثائرين الحقيقيين، فهؤلاء يقدسون الحياة على أن تكون كريمة بلا مذلة ومهانة. لأجلها يكونون قبضات صلبة ومخارز تلاطم ويكونون أشجارًا وارفة تؤمِّن الظل والسكينة.
هؤلاء يعيشون بقلبين، واحد للحياة وآخر يتعذب بهوى مصر التي يعشقون، وينفطر على فراق رفاق درب وعشق، كأولئك الذين شاهد صورهم وائل فغادر ضوء الأستوديو والكاميرات إلى حيث نداء دمائهم والوعد.
لا يريد الإسرائيلي أن يسمع ولا أن يرى ولا أن يستوعب الوائل هذا... فهو ليس ببطل، وليس بقائد حزب ولا بشيخ ذي سلطان ولا بمفكر ضليع بكل شاردة وواردة ولا برئيس قبيلة تفرّخ بطونًا وأفخاذًا. هو إنسان ولد حرًا ويصر أن يعيش حرًا كريمًا. إنسان يرفض الذل والمهانة في حقه وفي حق جاره وفي حق ابن "حتته" وبلده. إنسان يرفض من فسد ومن قمع. هو مع المظلوم وضد الظالم. هو دمعة الفرح وهو حكمة السماء وابن الحياة.
لقد عرَّت دموع طالب النجاة، وائل، زيف أساطير وأساطير. عرَّت كذلك أولئك الذين حسبوا أن الكرباج حاكم وأن السلطان دائم. وعرَّت قيادات أحزاب وحركات تآكلت نظمها وصدئت محركاتها. دموع حرارتها أحرقت ريش من حلَّق بأجنحة الغيب والجهل.
وائل ابن العصر والزمان، كثيرون لا يريدون وائلاً بهذا الحسب والنسب. يريدوننا أن نبقى مع أجداد وائل الغابرين وأحفادًا لوائل بن قاسط، ذلك الذي كان أبًا لتغلب وبكر. أن نبقى أبناء جاهلية معاصرة كجاهلية القرن الخامس. جسَّاسنا البكري يقتل كليبًا التغلبي من أجل ناقة ملكتها واحدة خلَّدها تاريخ العرب، حين أطلق اسمها على حرب دامت أربعين عامًا وعرفت ليومنا باسم حرب البسوس.
إسرائيل تتنكر لوائل ولوائلة، وآخرون ينافسونه ويزاحمونه. لأنهما في النهاية حالة تحطَّم كثيرًا من أحلامهم وبعضًا من عروشهم. حالة تقوِّض ما ادَّعوه من علم ومعرفة ومن تميُّز. حالة تتحدى "ثائرين" و"مناضلين" أجادوا الصول في علياء الميادين وأضواء المنابر، ولم تكن تلك ميادين تحرير حقيقية.
قلت وأقول: الأيام حبلى والرياح عاتية، بيد أن النجاة ليست مستحيلة والخلاص، وإن كان يولد دومًا بعسر، إلا أنه مأمول وجائز، لاسيما إن كانت قابلاته كوائل ووائلة يجسِّدون بالاسم، ولا يطلبون بالفعل، إلا النجاة من كل جور وظلم ومذلة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

اقتحام الأقصى وكشف الأقنعة

featured

تمييز قومي واقتصادي ضد طلابنا

featured

بايدن تقبل البصقة

featured

عن نيسان الفلسطيني ويوم الأسير

featured

سباق السياسة والحرب في المنطقة..!

featured

فن الخطابة وتكتيكات المراوغة والتضليل

featured

المكتب السياسي للحزب دعا... وها أنا ألبّي الدعوة

featured

وداعا احبائي أهل عكا