لا أحد يستطيع أن يجزم، وبشكل قاطع، الى اين تتجه الأمور في المنطقة العربية الملتهبة، وهل الأمور تسير نحو الحلحلة السياسية من خلال تسويات يجري الترتيب لها ووضع اللمسات عليها، أم أن الأمور ستأخذ منحى التصعيد والمزيد من سفك الدم، وصولا الى حافة الهاوية ونقطة اللاعودة، مع العلم ان الدول الكبرى ليست بصدد صدام بينها تجنبًا لكوارث لا احد يرغب فيها. لكن يبقى الخطر قائمًا لمثل هذا السيناريو المرعب، فقد تفلت الأمور هنا أوهناك ويكون بعدها من الصعب السيطرة على الوضع. وتجنبًا لحدوث مثل هذا الإشكال كان هناك تنسيق عال بين الروس والأمريكيين، وانسحب هذا التنسيق حتى بين روسيا وإسرائيل. لكن تركيا خرقت كل هذه التفاهمات والتنسيقات بين الاطراف المتعددة، وتعمدت ضرب طائرة قاذفة روسية وإسقاطها، لعلها تخلط الاوراق وتورّط حلف الناتو في تداعيات هذا العمل الخطير. وأظن ان الذين يقفون وراء الاتراك كانوا معنيين بهذا الاستفزاز لاحراج روسيا، لعلها تراجع نفسها في وقوفها الصلب والحازم الى جانب الدولة السورية، وفي الحرب على الارهاب بكل اشكاله وجماعاته. فليس هناك مسلحون متطرفون ومسلحون معتدلون، لأن الارهاب هو الارهاب مهما كانت مقوماته او الجهات الداعمة له. لكن روسيا كما رأينا زادت من إصرارها واتخذت من الاجراءات ما يوحي بأنها ماضية حتى النهاية، حتى تجتث جميع البؤر الارهابية التي تهدد المنطقة والعالم اجمع. وهي صورة مغايرة لما يراه الامريكيون وحلفاؤهم والمؤتمرون بأمرهم. وهذه المواقف المتباينة والمتباعدة بين روسيا والغرب ليست مؤشرا على انفراج قريب، رغم ان هناك اتفاقا على عقد مؤتمر "فينا 3" سعيا وراء تشكيل حكومة وحدة وطنية في سوريا، لصياغة دستور جديد للبلاد، واجراء انتخابات تشريعية وربما رئاسية مبكرة بعد عامين. واذا كانت اولويات الامريكيين والسائرين بركبهم هي قيام ما يسمى "بالفترة الانتقالية"، وعدم السماح للرئيس بشار الاسد بالترشح في الانتخابات القادمة، فان اولويات الروس واصدقائهم هي القضاء على الارهاب اولا، ومن ثم الدخول في الحل السياسي، واحترام ارادة الشعب السوري في اختيار رئيسه، وهذا هو منطق الاشياء.
وعلى الرغم من حدة التباين بين المواقف المختلفة، الا ان هناك إجماعًا دوليًا على ضرورة الحل السياسي في سوريا بعد ان تخطى الارهاب حدود سوريا والمنطقة، ووصل الى عقر ديار الذين شجعوه وساندوه وسهلوا عبوره، وأعطوه كل مقومات البقاء والاستمرارية. وهذا الوضع هو حالة من حالات التخبط التي وصل اليها هذا الغرب المنافق، بينما نجد الوضوح التام في الموقف السوري وموقف الحلفاء معه. وحقيقة التخبط الاستعماري ناجم من فشلهم الذريع في اسقاط نظام الرئيس بشار الاسد، وخسارتهم واتباعهم في المنطقة لهذه الحرب التي اعدوا لها كثيرا وخاضوها على مدار خمس سنين. ولأنهم لا يريدون الاعتراف بفشلهم وخسارتهم فانهم يعرقلون التسويات السياسية المعقولة والمقبولة، ويبحثون عن تعويض لخسارتهم هنا في انجاز يحققونه في ملفات اخرى ملتهبة في المنطقة. فليس صدفة ان يجري الحديث مؤخرا عن حل لمشكلة الشغور الرئاسي في لبنان بعد لقاء سعد الحريري في باريس مؤخرا مع الزعيم اللبناني سليمان فرنجية ليكون الرئيس القادم في لبنان، على أن يكون سعد الحريري رئيسا للوزراء. وفرنسا هي التي دفعت بهذا الاقتراح، مع العلم ان السيد فرنجية لم يرشح نفسه للرئاسة، لانه يقف مع باقي مجموعة 8 آذار وراء ترشيح العماد ميشيل عون، حليف حزب الله. وفي ظني ان اصحاب هذا الاقتراح ارادوا قيام شرخ في صفوف اصدقاء سوريا في لبنان، ان هو قبل هذا الترشيح. وفي حال رفضه يقولون اننا قدّمننا لكم كل ما نستطيع. والشيء الذي حصل هو شرخ في صفوف جماعة سعد الحريري، فقد ثارت ثائرة سمير جعجع الذي كان مرشحهم، وقد رأى كيف القوا به ولفظوه في اول امتحان لهم. كما ان هذه الخطوة لم ترق في اعين حزب الكتائب، حليفهم، بينما في الطرف الآخر كان الصمت سيد الموقف، وحتى الان لم يقل حزب الله او الجنرال عون اي شيء في الموضوع. وحين ذهب سليمان فرنجية لابلاغ الرئيس الاسد بالفكرة المقترحة قال الرئيس: انت وحلفاؤك في لبنان لكم الحرية التامة في اتخاذ ما ترونه مناسبا، ولست اشك ولا للحظة واحدة ان سليمان فرنجية سيفقد البوصلة، رغم اغراءات الرئاسة، فهو ثابت في موقعه وفي تحالفاته. وفي النهاية فان اصدقاء سوريا، حزب الله وحركة امل وسليمان فرنجية والجنرال عون، وبقية القوى والشخصيات الوطنية اللبنانية، سيتصرفون بحكمة ومنطق. ولن يستطيع احد ان يدخلهم في مطبات، لانهم يدركون ان المعركة الفاصلة ستكون في سوريا، لكنهم سيجنبون لبنان ان يذهب الى المجهول ولهم خبرة في ذلك.
وفي الملف اليمني العالق، فهناك بوادر انفراج في الازمة بعد تسعة اشهر من الحرب السعودية الظالمة، على هذا الشعب المظلوم. حيث عجز المعتدون عن تحقيق نصر عسكري حاكم، فالسعودية وصنيعتها عبد ربه منصور هادي، وباقي الاطراف اليمينية المرتهنة للرياض، وافقت اخيرا على حضور مؤتمر جنيف اواسط هذا الشهر كانون الثاني، بعد ان راوا انجازهم في عدن تقطفة القاعدة والجماعات الارهابية، ولم يعد امامهم الا ان يقبلوا في النهاية بالشراكة الوطنية مع الحوثيين وانصار الرئيس السابق عبد الله صالح، والوصول الى حل يحفظ ماء وجه الجميع، لا يخرج منه طرف خاسرًا، وانما رابح ورابح.
وفي الملف السوري، فان السعودية تحاول هذه الايام لملمة ما يسمى بالمعارضة السورية المتناقضة والمتبانية، في الرياض، حتى يذهب وفد معارض موحد الى مؤتمر "فينا 3"، في حال انعقاده. والسعودية تعمل جاهدة لتجمع الماء والزيت والنار، وهو امر مستحيل. لكن هذا هو خيارها الاخير، ولا ادري ان كان هذا الذي يتم الترتيب له سينجح ام لا. لكن المؤكد ان الذين انخرطوا في الحرب العدوانية على سوريا لن يسلّموا بهولة فشلهم وخسرانهم، لا سيما هذا السلطان التركي الذي وضع نفسه في مواجهة ليس لها مع روسيا التي ستقتص منه وبأسرع مما نتوقع. ولن يفيده استفزاز العراق، حيث ادخل الى منطقة الموصل فوجا من قواته يقدر بمئات الجنود، مع لواء مدرع، بحجة حماية مدربيه للبشمركة الكردية، والزعماء المحليين المتآمرين معه. لقد نسي هذا اللاعب بكرة النار الملتهبة انه ينتهك سيادة العراق، وهو الذي ادعى ان روسيا انتهكت سيادة بلاده حين اسقط الطائرة الروسية. انه لا زال يلعب بالنار التي قد يحترق بها. فأمام كل هذه السيناريوهات التي توحي بالحل السياسي يبقى اصرار روسيا وحلفاؤها على خوض المعركة حتى النهاية لاجتثاث الارهاب والعدوان وهذا ان دل على شيء فإنما يدل على سباق السياسة والحرب في المنطقة الملتهبة..!!
