إثنان من نفس القرية

single

 (ترجمة: امين خير الدين)


قُتِل يوم الجمعة 13 تشرين الثاني لافي عوض، عندما أطلق الجنود النار عليه وهو يهرب، فأصابوه بظهره. وقبل ثلاث سنوات، قُتِل بظروف مشابهة ابن قريته سمير عوض. وقبل أيّام قليلة أمرت "محكمة العدل العليا" بتقديم جنديين للمحاكمة بتهمة ضلوعهما في ذلك.
هكذا يستخلص جيش الاحتلال ( في الأصل: ج.د.ا.) النتائج، وهكذا يُقدم جهاز المحاكم العسكريّة الجنود الذين يقتلون بلا سبب، كي يُمْنع تكرار هذه الجرائم: في النهاية جيش الاحتلال وجهاز المحاكم لا يفعلون شيئا، تتكرر هذه الجرائم، وأحيانا بشكل خيالي غريب كما حدث في قرية بدرس.
 قبل ثلاث سنوات، في يناير 2013، قَتل الجنودُ الفتى سمير عوض، كان تلميذا في الثانوية، لم يكمل 16 سنة، نزل إلى جدار الفصل القريب من مدرسته، اختبار الشجاعة عند أبناء بردس، كمين من أربعة جنود، اختبأوا بين الصّبْر، ألقوا القبض عليه، ثم أطلقوا النار على رجله، وعندما حاول الهرب، وهو جريح، أطلقوا عليه رصاصتين، أصابته إحداهما برأسه، والثانية بظهره. فقُتِل. أثارت قصّة قتله ضجّة في إسرائيل، وقال ضابط في جيش الاحتلال لجريدة "هآرتس" "الحادث غير مريح" وقد بدأت النيابة العسكريّة بالتحقيق. ومرّت ثلاث سنوات، بدون تغيير. كالعادة. وكردّ على الالتماس الذي قدّمته عائلة الفتى ومنظمة "بتسيلم" قررت محكمة العدل العليا تقديم الجنديين المُتَّهّمّيْن إلى المحكمة حتى نهاية السنة الحالية. بتهمة "عمل طائش وإهمال في استعمال السلاح" وحسب "بتسيلم" إنه "غير مفهوم الفرق بين خطورة أعمال الجنود وبين تفاهة التهمة".
 وما لا يُفْهم أيضا أنه يوم الجمعة الماضي قَتَل الجنود فتى ثانيًا من نفس القرية،. في نفس المكان، وفي ظروف مشابهة: قُتِل لافي عوض ابن الـ 20 سنة بعد أن أصابوه برجله، وبعد أن حاول الهرب، ومن مسافة قصيرة، مثلما قُتِل سمير، لم يكن مسلّحا، ولم يشكل خطرا على حياة الجنود حينما حاول الهرب، لينجو بنفسه.
 مجموعة من الشباب تجلس بجانب القبر الجديد في مقبرة بردس، نظراتهم تقول الكثير، أحيانا ينضم إليهم فتى آخر، يضرب كفّا بكفٍّ، يجول بنظره، يصلّي بصمت، ويجلس بجانبهم على كومة من التراب حول القبر الجديد، يجلسون بصمت، يغرزون أنظارهم عميقا بقبر صديقهم الذي كان معهم يوم الجمعة الماضي، هدوء مُرْعب في المقبرة، يتجول بين القبور فتيان ملثّمون، جاهزون للمصادمات اليوميّة مع الجنود عند جدار الفصل المُقام على أراضيهم، ويخنق قريتهم، بعد قليل سيصل إلى هنا م. الفتى الذي رافق لافي في لحظاته الأخيرة.
 قُتِل لافي على المنحدر عند المقبرة، عندما وصلنا هناك، عادت لنا مَشاهِد مقتل سمير: بقع دم سمير لا زالت على الصخرة التي شكّلت مسار هروبه، لم تُنْس، كَلُحَ لونُها، لم نر بقع دم لافي، لأنه لم يُقْتَل على تلك الصخور.
 يقوم عمودان رهيبان على جانبي المقبرة، ثُبِّتت عليهما كاميرات لتوثيق الأحداث نهارا وليلا، جدار الفصل مُخْتَرَق من أماكن عديدة، لم يُرَ أيّ جندي قربه، لكن الفتيان يعرفون أن الجنود يكمنون لمَنْ يحاول الاقتراب من الجدار.
نزل الشباب يوم الجمعة الماضي باتجاه الجدار، بعد أن أحيوا ذكرى وفاة ياسر عرفات في مسجد القرية، بعدها نزل الشباب المتحمسون باتجاه الجدار، وألقى الشباب الحجارة على سيارات الجيب المدرّعة، وردّ الجنود بالغاز المسيّل للدموع، كانت الريح شرقية فأعادت الغاز باتجاه الجنود، فغيّروا أماكنهم، كان لافي عوض في المقدّمة، كان ذلك عند الأصيل، بعد الخامسة مساء، قبل انصراف الطرفين بقليل، مع حلول الظلام، هذه المرّة، كما كان عندما قُتِل سمير، ظهر فجأة بعض الجنود من بين الأشجار، بالقرب من الجدار المبني على أرض القرية، على الجانب الثاني وقفت سيارتان مدرعتان للجيش. يقول م. انه كان لديه إحساس بأنّه سيُقْتَل أحد، كان متوجسا.
 تراجع الفتيان الخمسة الذين اقتربوا من الجدار بسبب الغاز، عادوا بعد قليل إلى منحدر الطريق، باتجاه الجدار، سقطت قُبّعة أحد الفتيان، أراد أن يلتقطها، بعد أن ظنّوا أن سيارات الجيب العسكرية قد انصرفت، وفجأة ظهر الجنود من الكمين.
 يقول م. إنّ الجنود طلبوا من لافي أن يتوقّف، طاردوه وقبضوا عليه بأيديهم، حاول رفاقه الأربعة الاقتراب لمساعدته، فصلت بينهم وبين الجنود أمتار قليلة، أصاب حجر خوذة الجندي، عندها استطاع لافي الإفلات من قبضة الجندي، أطلق الجندي عليه رصاصة مطّاطيّة فأصابته برجله، رأى م. لافي يمسك رجله بألم. م. فتى عمره 18 سنة، طالب في الصف الثاني عشر، رأسه مغطى وتظهر عليه علامات الصدمة والذهول لموت صديقه، يقول إنّ لافي قد نجح في التخلّص من قبضة الجندي، وعندما ابتعد حوالي ثلاثة أمتار، أطلق الجندي النار على ظهره، عندها وقع لافي، ولم يكن واضحا إن كان قد مات أو أنه فقط يحتضر.
 انصرف الجنود فورا، سيارة فلسطينية خصوصيّة حاولت نقله بسرعة إلى مستشفى في رام الله، أوقفت السيارة عند الحاجز بالقرب من القرية المجاورة نعالين، فسلكت طريقا بديلا، وعندما وصلت المستشفى لم يكن هناك ما يمكن عمله، أصابته الرصاصة بظهره وخرجت من بطنه، رصاصة واحدة وثقبان، كما يظهر في صورة الجثة،. ادّعى الناطق بلسان جيش الاحتلال في اليوم التالي أنّ لافي حاول خطف سلاح الجندي، لكن شهود العيان من القرية ينفون ذلك.
 وقد عقّب الناطق بلسان جيش الاحتلال هذا الأسبوع أنه بوشر بالتحقيق في الحادث.
 يجلس الأب الثاكل، يوسف، في بيت العزاء، مذهولا ومحطّما. لا يقوى على الكلام "هذا ابن، قطعة من الفؤاد". كان يرعى الماعز عندما اتصلوا به هاتفيا وقالوا له إن لافي قد جُرِح. سُجِن لافي في الماضي 16 شهرا، بتهمة إلقاء الحجارة وتهم أخرى، يسأل الأب: "سمعت أمس من راديو إسرائيل أن لافي خطف سلاح الجندي، كيف يمكن ذلك؟ كان جريحا ويخطف سلاحا؟". يقول عيد مراد أحد النشيطين في القرية الذي رافقنا في بدرس: ان الجنود يدخلون القرية مؤخرا، نهارا وليلا، أحيانا يلقون قنابل ارتجاجيّة، وغازات مسيّلة للدموع على البيوت، فيثيرون الخوف والهلع.
 تنتشر في أرض المقبرة خراطيش القنابل والرصاص الحيّ، وبقايا الإطارات المحروقة الباقية من يوم الجمعة الأخير، ومن أيّام أخرى، تقع مدرسة القرية التي تعلّم بها سمير ولافي بمحاذاة المقبرة، وكلاهما يطلاّن على جدار الفصل وعلى المكان الذي قُتِل فيه سمير ولافي، هذا مُثلث الموت في بردس: المدرسة والمقبرة وجدار الفصل.
 هنا دُفِن سمير عوض، يغطّيه نصب تذكاري حجري، وعلى بُعد خطوات منه قبر جديد للافي عوض.
(هآرتس 2015/11/20)
 

قد يهمّكم أيضا..
featured

من اجل تغيير الاوضاع التعليمية المزرية

featured

الاعتراف والوحدة الطريق للاستقلال

featured

عندما يهجع عنصر الخير في الانسان تكون الشرور

featured

"ويكيليكس"، كل الاحترام

featured

تمثيلية نتنياهو

featured

ناصر... وقلب العروبة النابض