غارة إسرائيلية استهدفت منطقة القنيطرة السورية في هضبة الجولان
عندما يمارس الاولاد هواية الالعاب النارية واطلاق المفرقعات، رغم خطورتها عليهم في كثير من الاحيان، فانها تبقى العاب اولاد، ولكن الوضع يختلف حين يلعب بالنار ساسة الدول. والمفترض ان يكونوا مسؤولين فيها لما تمثله العابهم من خطورة كبيرة على السلم والامن الدوليين، عندها لا بد من التوقف والمساءلة والمحاسبة وقرع ناقوس الخطر، فتصرفات السيد نتنياهو، ووزير حربه يعالون، في استفزازاتهم المحمومة الاخيرة لسوريا، ضرب من الجنون، لان هؤلاء يغامرون ويقامرون، كما يفعل لاعبو الثلاث ورقات. لكن قمارهم بعكس المقامرين الآخرين، حيث يمكن ان يجر الكوارث والويلات عليهم وعلى غيرهم.
من هنا لا بد ان نتحدث عن الاهداف الخفية وراء افتعال اطلاق اربعة صواريخ من الاراضي السورية في اتجاه الجولان المحتل واصبع الجليل، حيث سقطت كل هذه الصواريخ في مناطق مفتوحة دون ان تتسبب بخسائر بشرية او اضرار مادية. وهو ما اريد لها ان تكون كذلك، ذريعة يستغلها المطبخ السياسي والامني الاسرائيلي لاستفزاز سوريا من اجل تحقيق امر ما يدبر له في الخفاء. وادّعت فيما ادعته اسرائيل ان الصواريخ التي سقطت عليها جاءت بتدبير من ايران، وبواسطة حركة الجهاد الاسلامي، مع انه لا يوجد اي دليل يشير الى تواجد عناصر هذه الحركة في الجولان، لان مقاومتهم انحصرت دائما داخل حدود فلسطين. كما ان ايران ليست بهذا الغباء حتى تقف وراء صواريخ عبثية لا حاجة لها. وهذا يجعل الرواية الاسرائيلية ساقطة، ومنذ البداية. وقد جاءت لتبرير العدوان، الذي تجاوز حدود الرد، حيث استهدف اربعة عشر موقعا سوريا للواء تسعين والفوج 138 المتمركز في خان ارنبة والقنيطرة..
وهذه الوحدات السورية هي التي كسرت امواج وافواج الجماعات الارهابية للسيطرة على درعا في العملية الفاشلة، التي اطلق عليها "عاصفة الجنوب"، وتحطمت المحاولات الخمس وباءت كلها بالفشل الذريع. كما ان هناك معركة فاصلة ومحتدمة منذ اشهر في مدينة الزبداني في الريف الدمشقي، حيث تتواجد هناك اخطر الجماعات المسلحة، والتي عوّل عليها الاسرائيلي كثيرا، ويقال انه على تواصل دائم معها. وفي هذه المعارك الطاحنة، والتي امتدت على منطقة سكنية حصينة فوق الارض وتحت الارض، قد تم حتى الآن تحرير غالبية الزبداني وبقي كيلومتر مربع واحد من اصل 25 كيلومترا مربعا. وما كانت اسرائيل تتوقع ان تصل الامور الى هذا الحد، وربما استهدفت عدوانها على القنيطرة لتوجيه رسائل الى سوريا تتعلق بالمسلحين المحاصرين في البؤرة الاخيرة. ومن يدري فربما يكون هناك ضباط ارتباط اجانب تابعون لمخابرات الدول، وتريد اسرائيل اخراجهم من هذا الاتون الملتهب فوقهم. وقد يكون من اهداف العدوان والاستفزاز الاسرائيلي رفع معنويات عملائها من جبهة "النصرة"، وما يسمى "بالجيش الحر"، الذين عجزوا عن اقامة منظمة عازلة في الجولان راهنت عليها اسرائيل كثيرا.
وحين تزج اسرائيل باسم حركة "الجهاد الاسلامي"، فلهذا الامر دلالاته، وليس مجرد صدفة، فقد تحدّثت وسائل الاعلام كثيرا عن صفقة محتملة بين حماس واسرائيل، وعرّاب هذه الصفقة كما قيل، هو سليل الاستعمار البريطاني طوني بلير- رئيس وزراء بريطانيا السابق، سيّء الصيت. وتقضي الصفقة، كما اشيع، باعلان هدنة طويلة الامد بين اسرائيل وحماس، مقابل السماح باعادة اعمار غزة جزئيا، واقامة ميناء عائم تتبناه تركيا ويرتبط بشمالي قبرص (التركية)، وهذه الصفقة لم تعد حديث جرائد، وانما قطعت أشواطا متقدمة بوساطة قطرية- تركية.
وهنا لا بد ان نستذكر زيارة طوني بلير للدوحة العاصمة القطرية، وزيارة خالد مشعل لتركيا، فهذه الزيارات ليست مجرد سياحة عادية، وانما هي مؤشر لما يطبخ في الدوائر الغربية، والعواصم الاقليمية السائرة في فلكها. وهذه الصفقة، ان تمت، فانها اخطر ما يواجه القضية الفلسطينية، وربما اخطر ما واجهها في السنوات الماضية، ليتم تمريرها تحت مسمى رفع المعاناة عن اهالي غزة المحاصرين، واعادة الاعمار، وهي ليست كذلك، وان كانت تحقق شيئا من ذلك، فالخطر الكامن فيها انها تكرس للانقسام الفلسطيني، واخراج غزة وفلسطين عموما من محور المقاومة، وهي اهداف تخدم في الدرجة الاولى الاحتلال الاسرائيلي وسعيه الدائم للتخلص من غزة للتفرد بالضفة وانهاء القضية. فاسرائيل لا يهمها ان تقوم في غزة بعد ذلك امارة اسلامية، او مملكة، او حتى امبراطورية تابعة لحماس، لان المهم عندها التخلص من غزة ومقاومتها. والجهاد الاسلامي، كما نعلم، اكثر الفصائل الفلسطينية رفضا لهذا المشروع التصفوي، مع ان جميع الفصائل الاخرى ترفض هذا المشروع، لكن الجهاد اكثرها حضورا في الميدان وبامكانه عرقلة مثل هذه الصفقات المشبوهة بالقوة. ولهذا كان تركيز اسرائيل على "الجهاد" واقحامه في موضوع "الصواريخ" المشبوهة من سوريا. وقد تكون اسرائيل، من اجل تمرير هذه الصفقة، بحاجة الى استعراض العضلات امام "الجهاد الاسلامي"، وامام سوريا وباقي محور المقاومة. وقد تكون راغبة بارسال رسائل للاطراف المعنية تقول لهم فيها: إنني على استعداد للقيام بحملة عسكرية واسعة تكون اقل من حرب شاملة، واكبر من عملية محدودة، وان الجيش الاسرائيلي جاهز لذلك. وما قام به سلاحها الجوي مستهدفا اللواء 90 والفوج 138 في القنيطرة ليس الا تأكيد على هذه النوايا. وليس خافيا ان القيادة العسكرية الاسرائيلية هدّدت مؤخرا بان اسرائيل اجرت مناورات، وقد تضطر الى الدخول الى الاراضي السورية في الجولان. وهذا الخطر جدي وقائم، فقد اوعزت الخارجية الامريكية لرعاياها بعدم زيارة الجولان المحتل او الجليل الاعلى، فالامريكيون يعرفون جيدا نوايا اسرائيل وما تخطط له.
اذًا نحن امام وضح متحرك قابل للتفجير في كل لحظة، امام الاسفزازات الاسرائيلية المحمومة، وحكام اسرائيل يلعبون بالنار جهارا نهارا. وفي تقديري ان القيادة المشتركة لمحور المقاومة (سوريا، حزب الله وايران) تدرك جيدا طبيعة الموقف، ولا بد ان تكون قد اتخذت الاجراءات المناسبة تحسبا لكل طارئ. لكن النار اذا اشعلها مجنون فانها ستحرق الاخضر واليابس، ولن ينجو منها حتى اولئك الذين اشعلوها. فالسيد نتنياهو ليس وحيد القرن في هذا الجزء من العالم، وهو قبل غيره يتحمل تبعات ما تأتي به الايام القادمة. وقد يصدق فيه المثل: على نفسها جنت براقش..!!
