حيثما تجولت في ربوع هذا الوطن ، تطالعك مشاهد ، اقل ما يقال فيها انها تسبب مغصاً في المعدة ، او دواراً في الرأس ! ففي فضاء هذه المدينة ترفرف اعلام حزبية فوق مقراتها المستأجرة . لا مقرات ما اصطلح على تسميتها احزاباً عربية . فهنا مقر لليكود ، وهناك مكتب لاسرائيل بيتينو . تحسب انك تسير لا في شوارع احد اضلاع يوم الارض ، بل في شوارع كريات حاييم ، او غيرها من الكريوت ، التي قامت على اراضي ابائنا واجدادنا عنوة واغتصاباً !
فبلادنا ديمقراطية ( ويهودية ايضاً ! لا يهم !) ، لا بشهادة نتنياهو وليبرمان وايوب قرا فقط ، بل بشهادة "سفيرنا" الجديد في اوسلو ، البروفيسور نعيم عرايدي ، وربما بشهادة اليافاوي جورج الديك . وإلا فكيف تم تعيينه نائباً للسفير الجديد في تلك البلاد الباردة كالشاي !!
انه لامر جيد ان تغيب عن البيت فترة قصيرة ، ثم تعود لتجد على عتبة الدار شيئاً ما ! هدية ما !
رفض الخدمة العسكرية ، فزجوا به في السجن ، لكن السجن لم يفتّ في عضده ، بل زاد إرادته إصراراً ، وعزيمته صموداً ، وقلبه اشتعالاً .
اعلن اضراباً عن الطعام ، لا كي يطلقوا سراحه ، بل تضامناً مع المعتقلين الفلسطينيين ، اعتقالاً ادارياً ، مثل لاعب كرة القدم الفلسطيني محمود السرسك ، الذي إمتد اضرابه عن الطعام ثلاثة شهور وخمسة ايام ! بعد ان قبع في زنزانة انفرادية تحت الارض مدة ثلاث سنوات ! ربما لعدم انتسابه الى " بيت اسرائيل " ! وبقي عربياً !
انه ينيڤ مازور ، اليهودي المقدسي ، ابن الواحد والثلاثين عاماً ، الذي ادى الخدمة الاحتياطية ، وانخرط في الجيش النظامي من سنة 1999 – سنة 2002 ووصل الى رتبة رئيس عرفاء . كان مجال خدمته العسكرية الضفة الغربية وغور الاردن ، ومع الوقت ، راحت مسألة الاحتلال الإسرائيلي تقضّ مضجعه ، وتؤرق ضميره ، حتى توصل الى الاستنتاج بأن ليس بعد في مقدوره ، التحمل والرياء اكثر !
اما الجندي التالي ، اندريه فشنينتسكوف ذو الاربعة والعشرين عاماً ، فقد هاجر من روسيا مع والديه ، حين كان في الحادية عشرة من عمره . "صعد" الى " ارض اسرائيل " ، باعتبارها المكان الاسمى (مجازاً على الاقل !) في نظر العقيدة اليهودية لأنها تضم بين جوانحها مدينة داود . وداود الملك هذا ، تؤكد التوراة ، ارتكب جريمتي الاغتصاب والقتل في آن . ( راجع صموئيل الثاني 11 و 12 ).
فوالله لو كان يعيش في اسرائيل ، لزج به في غيّابة السجن ، ولما كان يجرؤ على مغادرة زنزانته الى مقصف السجن لشراء علبة سجائر اوعلكة ، ولتختخ الى جانب موشيه كتساف ، مع ان الاخير لم يرتكب جرم القتل كداود، مكتفياً بالاغتصاب !
اندريه الروسي هذا ، ادى الخدمة العسكرية الاحتياطية ، بل انخرط في الجيش النظامي مدة سنة ونصف السنة . مؤخراً اقام في بيت لحم ومخيّم الدهيشة للاجئين ، مدة ثلاثة اشهر . قبضت عليه الشرطة الفلسطينية وسلمته للسلطات الاسرائيلية ، التي اعتقلته بدورها ، بجريرة دخوله الى مناطق السلطة الفلسطينية ! ويبدو أن ما لمسه من "رغد" العيش الذي يرفل فيه سكان المخيم ، كنموذج لما يرفل به الشعب الفلسطيني قاطبة ، في كنف الاحتلال ، جعله لا يتضامن مع معاناه الفلسطينيين فحسب ، بل يتفهّم المقاومة العنيفة ، التي يمارسها بعضهم ، والتي تصنف في اسرائيل ارهاباً ! وهو – اندريه – يصف الصهيونية بالعنصرية ، والمستوطنات بالمستعمرات ( هآرتس 6/18) ! لا اظن الزعماء العرب قرأوا صحيفة "هآرتس" ، فقد كانوا منهمكين في جنازة "راعي" الديمقراطية "وصديق" المرأة "وحبيب" الشعب ، الامير نايف بن عبد العزيز !
وانه لأمر جيد ان تغيب عن البيت قليلاً ، ثم تعود ، لتجد على عتبة الباب شيئاً ما ، حتى لو كان زجاجة !
تذكرت ابناء محمد نفاع وابناء سعيد نفاع ، وغيرهم الكثيرين ، ممن ضربوا بقانون التجنيد المفروض عليهم دون سائر الطوائف العربية ، عرض الحائط ، مؤثرين قضبان السجن ورطوبته ، على خيانة ضمائرهم وشعبهم . غيرهم ، ممن يعفيهم القانون من اداء الخدمة ، يخلعون ضمائرهم قبل خلع ملابسهم المدنية ، ويسعون الى الخدمة ، رغبتهم تسبق اقدامهم . فهل كانوا يتمردون ، لو ان القانون فرض الخدمة عليهم !!!
جمعتني مناسبة اجتماعية بأحدهم ، كنت علّمنته ابان مسيرتي التعليمية . ومن باب "فتوح كلام" ، ورغبة في التواصل ، سألته عن ابنائه وبناته . ماذا يفعلون في حياتهم ؟ كم عددهم "في عين العدا"؟ اين يسكنون ؟ ماذا يخططون ؟ مع تمنياتي لهم بالتوفيق .
بدأ محدثي - طبيعي – بنجله الاكبر الذي "التحق بالجيش و...." قاطعته : لا تكمل ، فهذا يكفي .
وانه لامر جيد ان تغيب عن البيت ، ثم تعود اليه ، لتجد على عتبة الباب زجاجة مملوءة بسائل اصهب اشهب . احترت لرؤيتها ، فماذا عساها تحتوي ، خشيت الاقتراب منها ، فمن يدري ؟ لعلها زجاجة من تلك التي يضعها بعضنا لبعضنا الاخر ، ثم نروح نتشدق : هذا ليس من عاداتنا وتقاليدنا واخلاقنا ومبادئنا !
لكن لا . لا يبدو على ملامحها انها "شرّانية" ، بل ان منظرها مثير للإعجاب ، قوّيت قلبي . اقتربت منها ، امسكتها بحذر . كان ملمسها بارداً منعشاً في هذا القيظ الحزيراني اللعين . اذن هي ليست حارقة . فتحتها رويداً رويداً . ظلت هادئة كفتاة خجول . لم تفُر كالمشروبات الغازية . قطعاً هي ليست مشروباَ كحولياً .
برمتُها بين يدي . ومما كتب على خصرها ، عرفت ان ما بداخلها شاي بارد !
ومع ذلك ظلت الهواجس والشكوك تثير مخاوفي ، فمن سيكتب زاويتي الاسبوعية اذا – لا سمح الله اصابني مكروه ؟ صببت من الزجاجة كأسين ، تلكأت في رشف كأسي حتى "كرعت" كأسها زوجتي !
استحضرت في مخيلتي ذينك الجنديين اليهوديين ، وأبناء محمد نفاع وسعيد نفاع وغيرهم الكثيرين ، ومن شتى الطوائف ، وشربنا نخبهم جميعاَ ....
