فتحت ثورة الشعب التونسي ، ذات الطابع المدني السلمي والديمقراطي ، فتحت بوابات الأمل أمام الشعوب العربية ، لإستعادة حقوقها الدستورية المصادرة وكرامتها الإنسانية المهضومة ، عبر تكرار التجربة ، وليس نقلها ، بل التعلم منها ، والإستفادة من خبراتها ، خاصة وأن تفاصيلها ما زالت حية ماثلة في الذهن ، وموحية للمحاكاة وللواقع ، وذات أثر عميق بسبب ما حققته من نتائج ، بطرد الرئيس زين العابدين بن علي يوم 14/ كانون ثاني يناير / 2011 ، وملاحقته قضائياً على جملة الخطايا السياسية والإقتصادية والأمنية التي إقترفها نظامه وتورط بها طوال عهده غير الديمقراطي ، مما سبب الضرر والأذى للشعب التونسي ، الذي ثار على مجمل عذاباته السياسية المتمثلة بالتسلط والقمع والسجون ، ومعاناته الإقتصادية المتمثلة بالغلاء والبطالة وتدني مستوى المعيشة .
شعوب البلدان العربية ، على أغلبها ، ليست بعيدة عن معاناة الشعب التونسي وتجربته وعذاباته ، سواء بسبب تدني فرص الديمقراطية وغياب قيم تداول السلطة ، وعدم إعطاء صناديق الإقتراع أي إحترام والتلاعب في نتائجه وتسخيره لمصلحة تعزيز خيارات النظام وأزلامه وأتباعه ، والتحكم بمسار الحياة ، عبر سلطة الحزب القائد والزعيم الملهم ، وما يترتب على ذلك من تقويض للتعددية وتصفية الأخر وتحجيمه ، أو بسبب تدني معيشته وإنتشار البطالة وسوء الخدمات التعليمية والصحية والسكانية ، وزيادة المديونية والعجز في الموازنة ، كما هو الحال في مصر وليبيا والجزائر والسودان وسوريا واليمن .
الأوضاع الداخلية العربية بشقيها السياسي والإقتصادي هي المحرك الأساسي للإحتجاجات ورفض الممارسات الحكومية والسياسات الرسمية ، والعمل على تغييرها ، عبر تغيير قياداتها وأنظمتها بوسائل وأساليب شعبية مدنية سلمية وديمقراطية ، بعد فشل كافة الإنقلابات العسكرية التي قادتها الجيوش العربية لإجراء التغيير المطلوب لمصلحة الإنسان العربي ، كرامة وعيشاً وحق الإختيار في التعددية والتمثيل والسياسة والبرنامج عبر صناديق الإقتراع .
في بداية الخمسينيات ، وفي كافة الجمهوريات العربية ، ومنذ أول إنقلاب عربي حدث في سوريا ، وإنتهاء بأخر إنقلاب تم في موريتانيا ، كانت الجيوش العربية هي أداة التغيير وهي حصان الرهان ، ولكنها ، في كل التجارب ، وبدون إستثناء جلبت الدمار والخراب ، مثلما جلبت العجز والمديونية وسوء الأوضاع والتسلط ، وها هي أكثر من خمسين سنة مرت على سلسلة الإنقلابات العربية عبر الجيوش بشعاراتها المختلفة وأكاذيبها المكشوفة لم توفر للإنسان العربي الأمن والإستقرار والديمقراطية وحق الإختيار ، مما فرض تبديل أدوات العمل وأشكال التغيير ، مترافقاً مع إنتصار قيم حقوق الإنسان على المستوى الدولي ، وبعد أن فشل النظام العربي برمته ، من الأنظمة الجمهورية والأنظمة الملكية ، في توفير الحماية والمصداقية والشرعية لنفسه ، وأمام المجتمع الدولي كذلك .
في تونس تكامل الظرفين الموضوعي والذاتي لدفع الناس نحو شجاعة الإحتجاج والخروج إلى الشارع ، وعجز المؤسسة الأمنية عن تأدية دورها المعتاد في القمع والبطش والمصادرة، فالجوع الإقتصادي والإجتماعي شاملاً البطالة والفقر وإرتفاع الأسعار ، دفع الكل الجماهيري موحداً تحت شعار واحد إسقاط رمز النظام التونسي ، والمطالبة بالحقوق الدستورية ، والتعددية والديمقراطية عبر الإنتخابات .
تونس المحطة الأولى التي نضجت فيها الظروف الموضوعية ، وتكاملت حاجات الناس ورغباتهم مع وعيهم المصحوب بالشجاعة الفردية التي فجرها محمد البوعزيزي في تونس ، وخالد سعيد في مصر ، وعشرات الشهداء ومئات الجرحى وعدد لا يحصى من المعتقلين والمطاردين من قبل الأجهزة الأمنية تحولوا إلى مطاردين لها ، بعد أن إنتشر الوعي والشجاعة الجماعية لصد الأجهزة وشل فعاليتها وغدت أسيرة الماضي الذي لن يعود .
تونس الأولى وتلتها مصر ، ولن تتوقف وإن كانت التنازلات الرسمية من قبل أطراف النظام العربي ، بدأت تتسع في محاولات رسمية لكبح جماح الناس وثنيهم عن التعلم ونقل الدرس التونسي المصري إلى مواقع عربية أخرى ، لا تقل سواءاً وسواداً عما فعله النظامين التونسي والمصري .
محطات الإحتجاج ليست رغبات ذاتية لدى شخص أو أشخاص ، وليست تطلعات حزبية لدى حزب معارض أو أكثر بل هي حالة من الصمت والسكون الكامن الذي ينتظر تكامل معطيات الواقع الموضوعي القائم مع العامل الذاتي الناضج ، ليشكلا معاً الحالة الثورية الراقية من الشرائح المعذبة والتي تتطلع إلى الخلاص والتغيير .
تونس الأولى وليست الأخيرة ، ومصر الثانية وليست النهائية ، بل ثمة مقدمات توحي إلى بروز الثالثة والرابعة حتى تصل إلى كافة أطراف النظام الجمهوري منه والملكي ، لتكون الجمهوريات منتخبة والملكيات دستورية بحكومات برلمانية ، ومن يحمي نفسه هو الذي يبادر للإستجابة الجادة والحقيقية لأن الواقع والتاريخ لن يرحم من يتأخر ، عن الإستجابة لحقوق شعبه وكرامته .
