بهدوء وصمتٍ على غير عادتكَ كما عهدناكَ في نضالك السياسي، رحلتَ أبو الكفاح – أبو الجبر وكأنّك سئمت رحلة العمر هذه، والتي كانت تعجّ وتملؤها الأحداث السياسيّة المحليّة والقطريّة، أحداث ذات صلة قويّة بنضال أبناء شعبك العربي الفلسطيني داخل وخارج البلاد، من أجل العيش بكرامة مع كامل الحقوق المشروعة أو الشرعيّة.
نعم، رحلت ولم ترحل معك ذكريات الليالي والأيام، التي قضيناها معك في الجلسات واللقاءات المختلفة، في نادي الحزب والجبهة، أو في المهرجانات الشعبيّة المختلفة، وأنت الذي لم يحد بتاتًا عن طريق النضال الذي استمرّ عشرات السنين، دون أن تردعك عنه الضغوطات التي كانت تُمارس عليكَ من جهات مختلفة، بما فيها بعض الأقارب الذين تمتعوا آنذاك بنفوذٍ زمني - مؤقّت، فبقيتَ تصيح: إرفعوا أيديكم عن أبناء شعبي، وارفعوا أيديكم عن كوبا.
بقيتَ تنادي بهذا حتى انتقلتَ بالجسد الساكن بهدوءٍ غريبٍ إلى الأمجاد السماويّة، تاركًا فراغًا معيّنًا في العمل السياسي المحلي في جبهة عبلين الديمقراطية.
كُنتَ تقارع القريب والبعيد برباطة جأشٍ دون التنازل عن مبادئك، التي تربّيتَ وترعرعتَ عليها في حياتك، لم تكن لِتحقد بل كانت الابتسامة تغلب مشاعركَ في العديد من اللقاءات والجلسات، ولم يكُن جدالك ومحاوراتك مع المحاورين إياكَ من الشيوعيين – الجبهويين أو غيرهم، يحمل في طيّاته غضبًا أو نفورًا منهم، بل كنتَ تقول: بضلّوا أولاد بلدنا أو أولاد شعبنا، وبهذا لم تكن لِتقطع شعرة معاوية مع الناس كلّهم، إذ كنتَ تشاركهم أفراحهم وأتراحهم، ، ناسيًا ومتناسيًا في نفس الوقت مواقفهم السلبيّة للبعض منهم في النضال الشعبي، لأنّك آمنتَ بوحدة جميع طبقات وشرائح المجتمع، من أجل عمليّة الاستمرار بالمطالبة للحصول على الحقوق الشرعيّة والانسانيّة، من أجل بناء مجتمع راقٍ يرتكز على كرامة واحترام الانسان.
كانت رفيقتك صحيفة الاتحاد – جريدة الشعب - توصلها وتُقنع غير المشتركين بها أن يحاولوا قراءتها ولو لمرّة واحدة، ممّا جعل البعض منهم يقرأها يوميًّا بعد اقناعهم بالاشتراك سنويًّا.
لم تُسقِط رايتَكَ الحمراء ولو لدقيقةٍ واحدة، شاركتَ في العديد من المهرجانات القطريّة، دون أن يكون لكَ أيّ هدف سوى الاستمرار في الوقوف إلى جانب أبناء شعبك المضطهد بأشكال مختلفة، تُدافع وتدفع عنهم الظلم والاضطهاد مع بقيّة المناضلين، كي يحصلوا على حياة كريمة وشريفة ومساواة في الحقوق المشروعة لمجتمع يحترم نفسه.
نَم يا أبا الكفاح – أبا الجبر مطمئنّ البال، فرفاق الحزب والجبهة يواصلون حمل الراية الحمراء دون كللٍ أو مللٍ.
إلى جنّات الخُلد يا رفيقنا محمّد جبر قسوم ولتسعد بحصّتك فيها آمين.
(كلمة في ذكرى الأربعين للمرحوم الشيوعي محمّد جبر قسوم – أبو الجبر)
