حوالي الساعة الواحدة بعد منتصف ليلة 20/12/2015 كان آخر رمق من حياة الحاج أبو مروان وفي هذه الساعة بدأ عقده التسعين من عمره. ولد سنة 1926 في قرية الدامون المهجرة التي أحبها وعشقها حتى النخاع وكيف لا! وهي قرية الآباء والأجداد قرية الصبا والصب والجمال والطفولة البريئة والأحلام وعاش فيها أجمل أيام العمر وفي احد اللقاءات معه قال: "اذكر الدامون دائما واحن إليها وأجوبها يوميا بأفكاري فكل يوم فيها له ذكرياته الغالية، بيتنا وحاكورتنا التي زينتها أوراق الدوالي وشجر التين وشجر الزنزلخت التي نصبت عليها أرجوحة طفولتي".
كان المرحوم يزور الدامون بشكل دائم وفي نفسه حسرة وألم وفي إحدى زياراته قال لنا: "هذه الأحجار التي تحولت إلى ركام كانت بيوتا عامرة يعيش فيها أناس طيبون بسطاء حياة جميلة وطبيعية مبنية على الاحترام المتبادل، مسلمون ومسيحيون يتحملون المسؤولية في الأفراح والأتراح بحيث لا تعرف لمن هذه المناسبة الدينية". وأضاف أبو مروان: "كلنا دين واحد وشعب واحد هو دين الإنسانية الحقيقي همومنا وآلامنا واحدة".
رُحّل أبو مروان قسرا من قريته مع أهاليها إلى مختلف القرى المجاورة وكان شعاره البقاء والصمود في هذا الوطن ولن نتركه، موجها كلامه إلى أهالي البلدة قبل أن يهاجروا إلى لبنان وسوريا والأردن عند "الأشقاء والإخوة العرب!؟" إلى مخيمات القهر والفقر.
انه إنسان يحفظ الجميل ومعه كل ضمير حي ولا ينساه ولا ينكره أبدا وبهذا الصدد قال "لن ننسى فضل أهالي القرى المجاورة الذين استقبلونا وتقاسموا معنا بيوتهم وطعامهم وشربة مائهم" وفي كل مناسبة كان يشكر أهالي طمرة الطيبين الكرام والكرماء على عملهم الإنساني ويقول: "عشنا سوية بمحبة واحترام متبادل بالرغم من مرارة وألم التهجير" وقد وصف المساعدة ووقوف الناس مع بعضها البعض بقيمتها حسب الزمان والمكان.
رأى أبو مروان بنظرة ثاقبة وسديدة بان إطاره السياسي هو بانضمامه إلى الحزب الشيوعي هذا الحزب الاممي الثوري بسياسته المسؤولة فكان من أوائل مؤسسي هذا الحزب في طمرة في سنوات الخمسينيات من القرن الماضي، وهذه خطوة ليست سهلة بل بطولية في ذلك الوقت حتى تحول بيته الصغير إلى نادٍ لاجتماعات الحزب والشبيبة وأبناء الكادحين لفترة زمنية ليست قصيرة رغم الظروف الحياتية الصعبة.
كان نشاط المرحوم بارزا في تاريخ الصحف ومنشورات الحزب ونشر سياسته للناس وتكريسه وقتا كبيرا لهذه الأمور، ووقف في صدارة المناضلين من اجل حقوق شعبنا اليومية والقومية والسلام العادل وضد الحكم العسكري البغيض ونظام التصاريح من اجل حرية التنقل في وطن الآباء والأجداد. ومن مواقفه التي لا تنسى حينما قاد نضال العمال ضد شركة "ايغد" للمواصلات العامة وكان ذلك في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات ورمى بنفسه أمام عجلات الباصات ومنعها من السير والتحرك، وقد أثمرت هذه الخطوة إلى زيادة عدد الباصات لنقل العمال إلى منطقة حيفا وخليجها وكان لهذه الخطوة صدى وانعكاسات قوية لدى الناس، وهناك عشرات المواقف للمرحوم تسجل بأحرف من نار ونور. عمل أبو مروان بكد وجهد وهو المعيل الوحيد لعائلته كثيرة الأولاد ليعيش حياة حرة كريمة وصمد في وجه عواصف الحياة وقسوتها ناظرا إلى المستقبل لبناء حياته كما يجب.
استقر المرحوم في طمرة التي أحب أهلها وأهلها أحبوه ولكن حنينه وحبه للدامون ازداد وتعمق في نفسه، وآخر مرة زار قريته كان في صيف 2014 قبل مرضه وجلس على الكرسي مع سيجارته ذات التبغ العربي وبدأ بالتدخين نافثا دخانها بزفرات وتنهيدات قوية، وقد ظهرت عليه علامات الحسرة والألم والغصة والصمت الثقيل ولم يستطع نطق أي كلمة بل رأينا كلماته من خلال دموع عينيه وهو يسمع نشيد "موطني" ويلتفت إلى كل الجهات (هذا شريط مسجل وصور ناطق أطلق عليه ذاكرة وطن مع سيجارة محمود عمر زيداني/مجدنا).
آمن بقوة بحق العودة الذي لا عودة ولا تنازل عنه مهما حدث وهذا الحق لا يمكن أن يموت مهما طال الزمن، فهو يتعمق ويقوى يوما بعد يوم كما قال ثم أضاف قائلا"علينا أن نعرِّف أطفالنا على تاريخ هذه البلاد التي كانت عامرة بأناس طيبين منهم من يقف على مرمى حجر من قريتهم ومسقط رأسهم" ومن أهم كلماته: "خير للإنسان أن يموت بلا أمل على أن يعيش باليأس".
رفع راية العودة دائما وقبل مماته سلمها إلى الجيل الجديد إلى أن يتجسد هذا الحق شاء من شاء وأبى من أبى.
زاره الكثيرون ليسجلوا المعلومات الدقيقة عن الدامون وغيرها خاصة في العقدين الأخيرين فكان مرجعا هاما وكنزا من المعلومات نظرا لثقافته الواسعة.
كان المرحوم دمث الأخلاق سريع الخاطرة يجيب ويرد بسرعة عجيبة بذكاء وحكمة مرحًا جدا وذا فكاهة طيب النفس مزاحًا مضحكا وضحوكا مما اكسبه محبة واحترام الصغير والكبير فقد ترك بصماته على كل من عرفه من طمرة وخارجها.
نم هادئا قرير العين يا أبا مروان فأنت باق معنا وفينا لم ولن ننساك أبدا، لن ننسى الدامون التي أحببتها وعشقتها فهي كالطعام والشراب والهواء لنا كما كانت لك، رحمك الله وأسكنك فسيح جناته.
(الدامون /طمرة)
