أكّد لي عدد من النّاس، رجالا ونساءً، حينما التقيتُ بهم، في الأسبوع الفائت، بأنّ النّتيجة واحدة لا غير فسوف يزعم أولو الأمر في إسرائيل بأنّ القاتل مجنون وسيطلقون سراحه بعد "علاجه" في مصحّة لعدّة أشهر أو بعد سنة على الأكثر.
هؤلاء النّاس العاديّون لا يضربون بالودع، ولا يفتحون بالمندل، ولا يملكون قوى خارقة تطلعهم على الغيب، ولكنّ الحياة علّمتهم و "قلّعت أسنانهم" فصاروا يفهمونها "عَ الطّاير".
عرفت أجهزة الأمن الإسرائيليّة التي تتفاخر بأنّها تعرف البيضة من باضتها وأنّها على اطّلاع عمّا يدور من همس في القصور العربيّة من المحيط إلى الخليج، عرفت هذه الأجهزة قاتل الفتى العربيّ الفلسطينيّ المقدسيّ محمّد أبو خضير بعد ساعة تقريبا من اختطافه - عندما كان في طريقه من بيته في حيّ شعفاط إلى مسجد الحيّ ليؤدّي صلاة الفجر جماعة- ووجدت هاتف الفتى الجوّال في بيت القاتل المجرم كما اكتشفت نقاط دم من دم الضّحيّة في سيّارة الهوندا التي يملكها المجرم. ولم يكن هذا الأمر يحتاج إلى عبقريّة محقّق في المسلسلات الأمريكيّة فالمكالمة الهاتفيّة العاجلة التي أخبرت الشّرطة بحادث الاختطاف، والكاميرات التي صوّرت السّيّارة والخاطفين دلّت حتّى العميان إلى موقع الجريمة وقادتهم إلى جثمان الفتى الذي أحرقته الوحوش البشريّة.
وعلى الرّغم من معرفة الشّرطة للقاتل أو القتلة بالأسماء الكاملة والعناوين الواضحة بُعيد وقوع الجريمة تعمّدت أن تكون بياناتها محشوّة بالكذب وبالسّمّ وبالتّشويه فادّعت أنّ الشّرطة تحقّق في اتجاهين أوّلهما الاتجاه الجنائيّ فقد يكون الخطف والقتل قد تمّ بسبب خلاف عائليّ أو حمائليّ (العرب يقتلون الأطفال انتقاما لخلافات عائليّة مهما كان نوعها !!!!) وردّد عدد من قادة إسرائيل هذا الكلام العنصريّ التافه وتبنّاه الإعلام الإسرائيليّ المرئيّ والمسموع والمكتوب لأنّه إعلام مجنّد. وكي ينسلّ لسان الشّرطة وأيديها بأقلّ كميّة من الوحل أضافت الاتجاه الثّاني وهو: خطف وقتل على خلفيّة قوميّة، حسب التّعبير الإسرائيليّ.
ومضت أيّام وهم يردّدون بأنّ القتل على خلفيّة عائليّة، عربٌ يقتلون عربا، فلا يُعقل أن يكون المختطف الحارق القاتل يهوديّا ومعاذ الله أن يفعل يهوديّ ذلك فالاختطاف والقتل مهنة عربيّة فقط لا غير، وثقافة العرب همجية.
منذ أعلنت الشّرطة أنّها اعتقلت القتلة اليهود الذين اعترفوا بجريمتهم بدأ الإعلام الإسرائيليّ "ينقّط بالقطّارة" يوميّا كلمة هنا، وجملة قصيرة هناك، كي تكوّن صورة للقاتل المجنون، المريض نفسانيّا، الذي يتعاطى يوميّا دواءً لعلاجه النّفسيّ منذ سنوات، الذي حاول أن يخنق ابنته... وغير ذلك.
ومن المعروف أنّ القاتل نظّارتيّ مهنيّ خبير و... ومستوطن. والمستوطن هو الابن الشّرعيّ المدلّل لحكومة إسرائيل، لذلك لا يمكن أن يكون اليهوديّ قاتلا، ولا يمكن أن يكون المستوطن قاتلا فشعب الله المختار لا يفعل ذلك، ومن يفعل ذلك لا بدّ أن يكون مجنونا ولا بدّ للمسؤولين وللإعلام أن يجنّنوه حتّى لو كان طبيبا أو فنيّا أو عالما أو.... !!
