أجراس المشرق (2)

single

وطويتُ الصفحة السابقة، لأستأنف المقال حيث انتهى عند باب الشَكّ كدليلٍ قاطع على المواجهة الأزلية بين النقيضين إياهما (الأكاذيب والحقائق)... وغيرهما الكثير وقد توقف المفكر ديكارت حول هذا بقوله: "أنا أُفكر إذًا أنا موجود". ولعله استدرك : "أنا أشُك إذًا أنا موجود" ! ولا أظنه إلّا قد أفاض مع السياق: "لي عقل مُطلق الحريّة، إذا أنا بفضله حُرٌ بالمطلق".
وعلى هامش الشك تُكتب أطروحات تخترق كلّ تفاصيل الحياة. ومنها القول في الحياة الزوجية "إذا دخل الشكّ من الشُباك خرجت السعادة من الباب". أما أنا الموقعة أعلاه، الفلّاحة الأُمية المغمورة بتراب الأرض التي تحرّمُ الشك السلبيَ علينا، فقد قررتُ أن "أُطيرها من عِشها"، داعية إلى مناطحة الشَكِ بالشكّ بعيدة عن القاعدة الشعبية التي توحي بأن الشك نقيصَةٌ.. أو زلة عقل، بدليل صيغة المبالغة عند وصف فلان بـِ "شكّاك/شكّيك". بينما نظر إليه مُفكرُنا وغيره، من زاوية وبعدسة مغايرة، فبدا مؤشرًا واضحًا على سمةٍ من سمات العقل الحُرّ الفاعل، وأنه ليس حكرًا على فئة دون غيرها. ورأيتُني، كربة بيت بيتوتية "لا وراها ولا قداما"، إلّا الثرثرة ما استجمعته من نُتف التاريخ. ورُحتُ أستسرهُ عن أسباب إشقائه أهلَهُ، فعلمني ألِف باء في قراءة النتائج بناءً على الأسباب. وما إن مسكّني الحرف حتى صُرتُ ألحَظ بالفطرة، كما أدعي، ما قد لا يلحظه العالقون في دوامة التزاماتهم اليومية... (كان الله في عونهم)، أو تعاميًا عمّا يرون لأسبابٍ يتفهمها منطق الحياد... (كان الله في عوننا). وما كُنت لأُطيرها لهوًا بكرة الشغب، أو حبًا به، لكن اللحظة الزمنية تدعو للضرب الحثيث على ناقوس الشكّ التزامًا أخلاقيًا، منطقيًا وأدبيًا للوقوف بصفّ الحقّ والحقيقة المعتَقَلَين في السجون السياسية والدينية. خاصة مع غياب الموكَلينَ للدفاع عنهما، أعني الرجال الرجال الحكماء العُقلاء، هذا مع استدارتهم الحادة لشؤون مؤسساتهم الروحية العامرة بأدوات صناعة الفنون الإنسانية.
جُلَّ هؤلاء، كما تعلمون، واعظ مفوّه، وخطيب لبيبٌ من الإشارة يُفترض أن يفهم ما يدور في سراديب النفوس المظلمة حيث لهم الحق، وعليهم واجب الزجر بصوتٍ عالٍ كلَّ من يمسّ الديانات السماوية وغيرها من معتقدات راسخة في ذوات أصحابها، بالتبخيس أو الإهانة، إن الإيحاء سعيًا لاستصلاح عقول إضافية لبذر الفتن الطائفية الراكبةِ أمواج السياسة... أو بتوفير فرص يلتقطها ضعفاء النفوس للنهوض على السِيَر الرائجة.
ويحضُرني بإلحاح جناب القُمُص زكريا بطرس حامل تلك الوزنة الذهنية عالية العيار، لأقول: الحريُ به أن يُفعّل نشاط عقله "كحمامه سلام" ترخُمُ في عُش قناة الحياة (سابقًا) وحاليًا في قناة الفادي. لأقول: ما هكذا تقدم الأطباق للجائعين للبرّ والفضيلة! ولا هكذا بشّر الأولون حين كان الطقس مؤاتيًا له. كما أن أصوله تتعارض جذريًا مع الإساءة المباشرة أو غير المباشرة لأي معتقد يُراد نقده. وهذه أيضًا زلةٌ تطاول الخطيئة بالقول. وأفترض أن جناب القمص عالمٌ علم الدارس المنقّب في الخفايا بأن المسيحية ما انتشرت إلّا قدوة إنسانية دمثة الأخلاق، راقية السلوك. وما تسلّحت بألسُنها سيوفًا قاطعة. إن كل ما يتضارب مع هذا مشبوه، مشكوك بأمره، ومُدان لانحرافه عن الأصل وانصرافه إلى تشويهٍ ذكي مغلف لرمزية الجبة الكهنوتية كثوبٍ نظيف يرتديه فخرًا كل من اختار النطق باسم المعلّم الذي أمنتهُ السماء على إشاعة وإذاعة أناشيد المحبة، وكل خلةٍ تحثُّ على التواصل المبارك بين الأنام، بمعزل عن الحسابات الطائفية، المذهبية، العرقية أو الاثنية. وما أدراكَ ما شظاياها!
ترى، هل بين جنابك والقراّن الكريم ثأرٌ لم يجف دمه، ويستحق شنّ هذه الحرب الضروس بحيث لا تسري عليه فضيلة التسامح الركن الأساسي الذي أرساه مسيحك لحظة سامح صالبيه؟!..
هذا مثار شك يدعوني إلى الادعاء، بالرغم من محدودية وعيي الإعلامي، بأنّ موقعك كرجل دين يحتّم عليك الاعتذار من القناة، في حال كان هذا عرضها واختيارها. فالأقرب إلى المنطق السليم إيكال قراءة البيانات الحربية التهكمية لفتًى حربجي علماني/مدني.. فهذا مشروعا ديمقراطيًا، وإن كان مرفوضا حضاريًا وأدبيًا. وكما تعلم، ففي سُنن المجتمعات لا يُقبل من مراهق ما يُقبل من طِفل... وقِس عليه. كما القانون يُفندها، فما يسري قضائيًا، على حماته من قضاة، محامين، محققين، شرطيين إلخ... لا يسري إنسانيًا، على الجاهلين تفاصيله وحيثياته، مما له أن يُسهم في تخفيف عقوبة الحكم عنهم.
إنه "سؤال جريء"، أقصد اقتراح جريء، تقدمه إحدى أمهات صبيان هذا المشرق الميَتم ظلمًا، الملوية أجراسه عن دعاء أهله إلى مواكب السلام. أُمٌ لفتها إيجابيًا خطاب السيدة جويس مايير الداعية إلى التعاطي مع السلام انطلاقًا من الذات بالعمل على ترويضها يوميًا على تبني فكرة "إعقل ثم توكل"...فما بال القناة لا تلتزم باستقطاب الدعاة المعتدلين القابلين للتخلي عن خلفياتهم العقائدية حين تدعوهم الحاجة لمواجهة الرأي الاَخر بالحجّة القدواوية، تصديقًا لاسمها، سيان كان "الحياة" أو "الفادي" !؟ ترى هل تمارس القناة أسلوب التضليل بالتمويه؟! لهذا دلالات خطيرة وأبعاد جهنمية... فشُكّوا وتساءلوا أيها العقلاء واطرحوا السؤال الأجرأ : من المستفيد؟ أي لمصلحة من هذا السعي لتلطيخ سمعة، وتزفير لسان المسيحية بشهادة نابغة مفوّه من أهلها ؟! وما المقابل؟! هل من يستقصي... يحكم ويقاضي ؟! أين النخوة المشرقية المزعومة؟! ثم، ما المستجدّ الطارق بعد قطع مسافة أربعة عشر قرنًا مشيًا على الأقدام، وتحت أشعة الشمس الحارقة باتجاه بيت الوئام والثقافة العربية المتناغمة مع إرثها البيئي الحضاريّ؟ من الفاعل الشيطانيّ الذي هيّجَ الحميات الدينية وموج محيطاتها؟ سائلو أيها المؤتمنون على هوياتنا من الحريق ! ولا تكتفوا بالندب أو تأليف المرثيات. ومن المفيد أن تتذكروا بيت قصيدٍ للشاعر الحداء سعود الأسدي : "لو ما كان سوس الخشب منا وفينا ما كان المستعمر دخل هالبلاد".
أما الادعاءات فعديدة وهي... يتبع.
قد يهمّكم أيضا..
featured

غطرستنا هي مأساتنا

featured

لنزع الخطر على المستقبل

featured

القنبلة الهيدروجينية... بطاقة دخول هذا العصر؟

featured

صباح المؤتمر - لنضع أهدافا نصب أعيننا

featured

حكاية الأساطير

featured

دار الحنون.... ذلك الكنز المكنون

featured

الجبهة إلى أين؟

featured

"ازدواجـيـّـة"! (مسائل وتساؤلات انتخابيّة)