سأَرتدي ردائي الأبيض اليوم، وأضعُ نصَّاتتي على جيدي وريشتي في جيب قميصي وخِتمي وأوراقي ومفاتيحي في جيوب برنسي، حتَّى أزاول مهنتي معكم، في صباحيَّتي هذه، طبيبًا يرى أنَّ من واجبه مصارحتكم ببعض ما يجول في خلدي من نصائح، بحكم صداقتنا وارتباطنا العضويِّ خلال هذه السِّنين، لتكونَ لكم دوائي لداءٍ يمكن أن نجتنِبه ونجتنِب أعراضه، وأحفظ لكم روحكم وجسدكم ما استطعتُ، وأُحافظ عليكم وعلى حياتكم الكريمة وعطائكم السَّخيِّ ووجودكم الحاضر فوق هذه الأرض الحبيبة الممتدَّة والمُستلقية باسترخاءٍ وراحةٍ بين أحضان المشرقيْن والمغربيْن..
لقد تعلَّمنا من تجاربنا ومن تجارب غيرنا الحياتيَّة، أنَّ قصَّة وقوع الأرنب فريسةً، بين أنياب الوحوش الكاسرة، ليست وراثيِّة، فالاحتراس والانتباه يحولان دون اصطياده وموته، وعندما يتغزَّل الثَّعلب بعذوبة صوت الغراب وهو واقفٌ فوق أعلى غصن على الشَّجرة، يُمسِك بمنقاره قطعة من الجبن، فهذا هو استدراج له وليس محبَّة في سماع نعيقه لأنَّه يريد ما في فيه، فالفطنةُ واليقظةُ والصَّحوةُ كفيلة بالحفاظ على قطعة الجبن التي في مِنسَره، لتبقى له.
اليوم عندما يقوم الطَّبيب بإجراء تحليلاته الطِّبِّيَّة لعائده في العيادة، من فحوصات مخبريَّة للدَّم والبَول أو إرساله لمعهد "الرِّنتجن" لتصوير الرئتيْن أو الثَّدييْن، أو توجيهه الى معهد الجهاز الهضميِّ لنوظرة البلعوم والمعدة والأمعاء الغليظة وما شابه ذلك، إنَّما يقوم بواجبِهِ حرصًا على سلامة جمهوره لكي يتفادى أمراضًا عصيَّةً عن العلاج، فتَّاكة، فمثلنا العربيُّ يقول: درهم وقاية خير من قنطار علاج، ومن حرص ما انقرص، والأهم من هذا هو تجاوب الشَّخص مع توجيهات الطَّبيب المُلزِمة، وعليه ان يُنفِّذ ما يأمره به، ليكون التَّعاون والسَّلامة مشتركًا كي لا نجني عواقب لا تُحمَدُ عُقباها..
وحين تُشخِّص المرض الخبيث، مثلاً، في بداية نشوئه تستطيع أن تسيطر على نموِّهِ ولؤمِهِ
وانتشارِهِ وتكون قد أنقذتَ الإنسان من بين فكَّي الموت الزُّؤام ويكون المريضُ قد وُلِد من جديد، وحين تُشير التَّحليلات المخبريَّة إلى مرضٍ معيَّن، كداء السُّكَّري الذي يُمرمِر حلاوة حياة المرء ويجعلُ من عسله حنظلاً، حيث يودي الدَّاء بالمريض إلى غسل الكِلية أو استئصال بعض من أعضاء الجسد كالأطراف مثلاً، إلى التَّهلكة حيث لا رجعة فيها إذا لم يمتثل للتَّعليمات من حمية وعلاج وتغيير في منهج الحياة ولا مكان للنَّدم لأنَّه يكون حينها قد وقع الفأس في الرَّأس، وحين تُبيِّن لنا الفحوصات المخبريَّة أنَّ الدُّهنيات الخبيثة عالية في الدَّم فهذا يُشير إلى استعداد المرء لأن يقع في شِباك الجلطة على اختلاف أماكن الإصابات كجلطة في الدِّماغ أو القلب وغير ذلك ممَّا يُسبِّب إلى إعاقة جسديَّة أبديَّة وعاقة على الآخرين أو حتَّى نهاية الحياة..
أردتُ لكم من صباحيَّتي هذه، أن تديروا بالكم على أنفسكم من أنفسكم ومن شهيَّتكم وأن لا تقولوا "مش راح يصيبنا إشي" أو كما أسمعها دائمًا من زوَّاري في العيادة "إللي من الله يا محلاه"، حيث أراهم يرون المسلخ بأُمِّ أعينهم ومع ذلك يسيرون على أقدامهم إليه، لذلك رأيتُ من واجبي أن أتلو عليكم كلمة توجيهيَّة، فقد كانت عند العرب النَّصيحة بجمل أمَّا اليوم فالله أعلم..
إنَّ من أنقذ نفسًا من الموت كمن أنقذ البشريَّة كلَّها، ?وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا?.
ألا هل بلَّغت؟ اللَّهُمَّ اشهَدْ!
