"عندكو زي لبنان بالزّبط" قالها لي ضيفي من خانيونس ومن قطاع غزة، عندما زارني في دير الأسد قبل نيف وثلاثين سنة! قال بالزّبط وليس بالضبط.. تمشيًا مع لهجتهم هناك في اللغة العربية الدارجة!! وبالمناسبة، فأنا لا اعرف أي شيء عن ضيفنا العزيز اليوم واعتقد ان هذه القطيعة بيننا ستدوم ما دامت الأوضاع السياسية كما هي.. إلا إذا تغيّرت!! وستتغير حتمًا.. والبشائر في الأفق!!
قال لي صاحبي يومها انه تلقى تعليمه العالي في الجامعة الأمريكية في بيروت.. قالها وتحسّر على أيام بيروت وتحسرنا سوية على أيام الشباب وعلى أيام الدراسة! ولم يخطر ببالنا إلا أغنية وديع الصافي (أمد الله في عمره)، "يا مين يرجعني زغير وياخد مالك يا دني".. إلى آخر الأغنية.
فالتشبيه بأن عندنا مثل لبنان كان موجودًا دائمًا وأظن أنه صحيح وصادق! فالجغرافيون مثلا يعتبرون تضاريس الطبيعة في جبال الجليل امتدادًا طبيعيًا للتضاريس الطبيعية لجبل لبنان.. وإذا تفحصنا أنماط الحياة والمفاهيم والأكلات السائدة بيننا وبين اللبنانيين نراها متطابقة! فنحن وهم نزيّن موائدنا بأكلات الكبة، التبولة، بابا غنوج.. المحاشي اللبنة والزعتر والبصل وزيت الزيتون، فكلانا يتناولها بشهية وشغف ويقول: هل من مزيد! دواويننا مبناها ومواضيعها وتشكيلاتها متطابقة أيضًا فيها نطرح نفس المواضيع للنقاش ونستعمل نفس التعابير والكلمات فمثلا كلمات عوافي.. يصطفل.. معليش.. قبضاي.. وزغرت من "زغرتة – قرية في شمال لبنان موصوفة بالمراجل" كلها مشتركة فيما بيننا!
ناهيك عن الأرغول وأغانينا الشعبية التي نرقص وندبك عليها في أفراحنا، دلعونا.. زريف الطول.. العتابا والميجانا.. الموال.. الردة، كثيرة كثيرة هي المتشابهات بيننا وبين اللبنانيين ومن لا يصدق فليراجع كتابات رجال العلم اللبنانيين الذين كتبوا في المواضيع العامة وعلى رأسهم سلام الراسي.. فهناك يحس القارئ وكأن المؤلف يخاطبه ويكتب خصيصًا له. فلأجل ما تقدم نحس دائمًا بالقرب من جليلنا بالذات ولبنان.. وهذا طيب!
نفس الشعور ونفس الإحساس.. خيّم علي وأنا استمع كفرد من الجمهور الكبير إلى فرقة الغناء والإنشاد "بيات" من معليا عندما أحيت ليلة طرب وتجلٍّ مشهورة في المركز الثقافي في "معلوت" مساء السبت 3/2/2012.
أتقنت فرقة "بيات" في كل ما قدمت للجمهور.. والجمهور أيضًا لم يقصّر فقد ساهم بإنجاح الأمسيّة كثيرًا.. إذ تفاعل مع الفرقة وأغانيها.. بالصمت ليستمع لها أو بالتصفيق ليعبّر عن طربه وإعجابه بها ومرة ثالثة بالغناء والمشاركة في غناء لوازم الأغنيات مع الكورس. ليلة مفعمة بالفرحة العارمة.. وقبل ان استرسل بالكلام اسمحوا لي ان أصرح بان كتابتي هذه صادرة عني وأنا فرد من الجمهور والمستمعين لهذه الفرقة.. فما كنت ولن أكون ناقدًا غنائيًا أو فنيًا بالمرة.. فانا لا افهم في الموضوع أكثر منكم ولعل معلوماتي عن هذا الأمر لا تختلف كثيرًا عما تعلمون!
فقط أردت ان اعبر عن إحساسي بأننا سهرنا ليلة فنية رائعة لا تُنسى. اكتب عنها بشموخ واعتزاز.. وتأكيد ان الدنيا بخير وان في شعبنا توجد خامات صوتية وإبداعات فنية خارقة.. تؤهلنا لنجلس في الصف الأمامي مع كل الشعوب الراقية والمتحضرة في هذا العالم!
ثلاث ساعات تقريبا استمر البرنامج الفني "ريح الشمالي" إذ حرصت فيه الفرقة المعلاوية ان تُسمعنا موسيقى رحبانية غناء فيروزيا واسكتشات لحوارات غنائية بين وديع الصافي ونصري شمس الدين وغيرهم بروعة متناهية. الأداء كان متقنًا وراقيًا لدرجة يصعب فيها على المستمع ان يميز بين التقليد والأصلي. قلتها هناك وها أنا أقولها هنا.. بانه لو قدر لشخص ما ان يدخل القاعة وهو معصوب العينين لاعتقد انه موجود في احدى قاعات الغناء اللبنانية في بيروت!
وعليه فانني أتوجه بالشكر باسمكم جميعًا وباسمي إلى هذه الفرقة الموسيقية المجيدة.. للقائمين عليها ولمنظمي برامجها واخص بالذكر المايسترو سامر بشارة الذي أبدع واجتهد على ان يقدم لنا ما تشتهي آذاننا ان تسمعه وما تحب أرواحنا ان تستمتع به من الحان وأغان طالما أحببناها ورددناها طوال نصف قرن من الزمن تقريبًا. تهيبنا من غنائها تحسبًا لتشويهها أو خدشها لأننا نعي ان تقليد عمالقة الفن اللبناني مثل وديع الصافي، فيروز وغيرهم وتقليد موسيقى الأخوين رحباني ليس بالأمر الهيّن! وتمسكنا بها لأننا اعتبرناها ثروة ثقافية تعرفنا من خلالها على واقع المجتمع اللبناني الواسع.
لا أود المبالغة في وصف ما قدمته فرقة الموسيقى.. فقد استعملت تقريبًا كل الآلات الموسيقية التي استعملها الأخوان رحباني. ولفت نظري الأكورديون بالذات والناي.
الغناء المنفرد والغناء الجماعي للكورس حملانا على أجنحة الخيال والذكريات بعيدًا بعيدًا إلى هناك إلى جبال لبنان المزيّنة بأشجار الأرز والزعرور والبلوط والسنديان التي تنام وتستيقظ على زقزقة العصافير وحسحسات الينابيع والوديان والأنهار..
أترككم هنا على أمل مستقبلي مبشر كما أوصيكم على دعم وإنجاح هذه الفرقة بمشاريعها الفنية المختلفة.. كل الحب للفرقة وللقائمين عليها وفقكم الله، والى اللقاء في برامج فنية أخرى.. وليبقَ الفن دعامة من دعائم حضارات الشعوب وتطورهم.
(دير الأسد)
