بعد خمسين يومًا من الحرب الاسرائيلية الاجرامية على غزة، جرى بتاريخ 26 آب 2014، توقيع اتفاق لوقف النار. توقفت المعركة لكن الحرب لم تنته. وجيّد انها توقفت لحقن النزيف والدمار والقتل بحق فلسطين، وعلى أمل فتح الآفاق لحل سياسي سلمي وعادل ودائم للقضية الفلسطينية. لكن ما من ضمان أكيد لهذا. فما من نص لاتفاق وقف نار أو تهدئة او هدنة، أو حتى تفاهمات ومبادرات واتفاقات ومفاوضات بخصوص السلام واحقاق الحقوق الشرعية للشعب العربي الفلسطيني، الا وابطلتها اسرائيل.
لم تكن حملة – حرب "الجرف الصامد" حربًا على غزة ولا على "حماس" فقط. وليس صحيحًا انها ابتدأت في السابع من تموز. إذ ما هي الا حلقة في سلسة حروب بحق فلسطين منذ نكبة الـ 48، أي منذ 66 عامًا. بل هي حرب "المئة عام" لحركة صهيونية كولونيالية اغتصبت واستوطنت وطنًا عربيًا لم يكن خاليًا من أهله وأصحابه. وقامت وما زالت بترجمته للعبرية وتهويده سكانيًا وجغرافيًا وتاريخًا وثقافةً.
في البدء كانت فلسطين. في البدء كان الاحتلال. وفي البدء كانت المقاومة. وكل اتفاق لا ينطلق من نقطة البدء هذه، ولا يوصل الى حل عادل يخرجنا منها، سيبقى في نهاية المطاف مجرد تهدئة انسانية مؤقتة الى حين انفجار جريمة حرب جديدة بحق الانسان الفلسطيني والانسانية عمومًا. وها هو نتنياهو الذي همس خافتًا بكلمتي "أفق سياسي" ، في المؤتمر الصحفي لاستعراض انتصاره في "الجرف الصامد" بعد توقيع اتفاق وقف النار، يعود ويعلن بصوت عالٍ ان على ابو مازن ان يختار اما السلام او حماس. ويعلن قرار اعتبار 4000 دونم من الارض الفلسطينية اراض للدولة الاسرائيلية لاستيطانها.
وبَعْدين؟ بلغتنا العامية ـــ بلهجة الغضب. حتّام؟ بتساؤلنا الفُصَحي. أما آن الأوان ومنذ زمان للفارس الفلسطيني لأن يترجل؟ لَوْ حاول سيزيف 66 مرة لكان نجح في ايصال الصخرة الى قمة الجبل. وحتى التائه اللاجئ المتشرد أوذيس لم تستغرقه العودة الى وطنه 66 عامًا.
على فلسطين – الضحية – ان تُسائِل وتحاسب نفسها، ليس من باب جلد الذات، وانما من باب ايجاد الممارسة والنهج الافضل لمنع مواصلة الجاني لجرائمه بحقها. وعلى الجانية المجرمة، الحركة الصهيونية وصنيعتها اسرائيل، أن تعي ان مواصلتها الاعتماد على لغة القوة بحق الضحية، ستحيلها هي نفسها الى ضحية لقوتها.
*على ماذا نصّ الاتفاق؟*
تضمّن الاتفاق لوقف النار، الذي جرى التوصل اليه بعد خمسين يوم حرب وتدمير وقتل لغزة ومبانيها ومواطنيها، بنود مقترح الاتفاق الاول الذي عرضته المبادرة المصرية بعد اسبوع من بدء الحرب، بطلب فلسطيني، كما كشف ابو مازن في مقابلاته الصحفية مؤخرًا. وهو قائم اصلًا على اساس الاتفاق الذي رعاه وبادر اليه الرئيس المصري السابق مرسي، بعد اسبوع من عدوان "عمود السحاب" – 2012/11/21-14 . (تشوّه حماس والعديد من الكتاب المعلقين نص الاتفاق الحالي الجديد في ظل حكم الرئيس السيسي، ونص الاتفاق القديم الذي تمّ ابرامه في ظل حكم الرئيس مرسي. يا اخوان... الاتفاقان منشوران، ومعيب هذا التشويه).
وافقت اسرائيل فورًا على الاقتراح الاول للمبادرة المصرية التي عُرِضت بعد مرور اسبوع على حرب "الجرف الصامد". ولم ينتبه الكتاب و"الخبراء" المعَلّقون لفلتة لسان نتنياهو في حينه، في مؤتمر صحفي. اذ قال بشكل عابر وسريع: "حين وافقنا على المبادرة المصرية كنّا نعرف ان حماس سترفضها"...
سنحاول، في مقال قادم، من سلسلة هذه المقالات عن "الجرف الصامد"، مساءلة حماس عن اسباب رفضها لمبادرة شبيهة حرفيًا بمبادرة الرئيس الاخواني مرسي التي كانت قد سعت اليها ووافقت عليها عام 2012. وكذلك عن موافقتها على المبادرة الجديدة الحالية بعد خمسين يوم حرب ودمار، مع انها تضمنت البنود اياها للمبادرة السابقة التي عُرضت بعد اسبوع من الحرب... ورفضتها. علمًا بأن النص الجديد اسوأ الى حد ما من السابق.
تضمّن النص الجديد: الوقف المتبادل لوقف النار، وفتح المعابر لإدخال المزيد من المساعدات الانسانية والاغاثية ومستلزمات إعادة إعمار غزة، وتوسيع منطقة الصيد البحري من ثلاثة أميال الى ستة أميال. وكل هذا سيتم بشرط ان تكون السلطة الفلسطينية، لا حماس، هي المشرف على المعابر من الجانب الفلسطيني. وقد – غالبًا – ستجري مشاركة قوى دولية ايضًا في الاشراف.
ذكرتُ اعلاه ان هذا النص اسوأ من النص الاول، وقصدت بهذا ان اتفاق وقف النار غير محدود الزمن، وانه خلال شهر بعده سيبدأ في القاهرة تفاوض الاطراف على القضايا الاساسية والمطالب المركزية بهدف التوصل الى اتفاق دائم. ولم يجرِ أي ذكر في نص الاتفاق لتلك القضايا الاساسية.
نقصد الميناء والمطار وتوسيع منطقة الصيد الى 12 ميلا وبعدها الى 20 ميلا، واطلاق سراح جميع الاسرى الذين اسرتهم اسرائيل بعد عملية اختطاف الشباب المستوطنين الثلاثة، والمعبر الآمن للناس وللبضائع بين غزة والضفة، وازالة الحصار كليًا عن غزة... الخ . كل هذه المسائل الاساسية اعلاه تستطيع فلسطين طبعًا عرضها في مفاوضات القاهرة. كذلك تستطيع اسرائيل عرض مطالبها المضادة، بما فيها مثلًا مطلب تجريد غزة من سلاحها وغيره. لكن لم ينص الاتفاق على جدول زمني محدد ومحدود لاستمرار التفاوض بشأنها.
حسنًا فعلت فلسطين حين وافقت على اتفاق وقف النار رغم نواقصه. هي بهذا اوقفت شلال النزيف البنيوي التدميري والدموي، وفتحت طاقة امل لحلول افضل. لكن على فلسطين ان تعي ان اسرائيل فنانة في تخريب أي اتفاق تهدئة كان، وفي جرّ المفاوضات الى متاهات لا تقود الا للمزيد من المفاوضات لإدارة الصراع بدلًا من حلّه، وتحصيل الهدوء والامن لها ولمواطنيها مع استمرار الاحتلال والحصار للآخر – هدوء مقابل هدوء، يقول نتنياهو! وهي تعتقد، حتى في اثناء توقيعها على تفاهمات التهدئة، ان اللغة الوحيدة التي يفهمها العرب هي لغة القوة. وستواصل ممارسة هذه "اللغة" حتى في اثناء المفاوضات.
*مَنْ الذي لا يفهم الا لغة القوة؟*
تقول اسرائيل ان العرب لا يفهمون الا لغة القوة. وان ما لا يتحقق بالقوة سيتحقق بالمزيد منها. وكانت قد انتشرت بين العصابات الصهيونية عشية عام 1948 اغنية جاء فيها أن "حق الكلام للرفيق برافلوس". وبرافلوس هذا اسم لمسدس بريطاني كان يومها الأفضل تصويبًا واصابة والأبعد مدًا. وجاء في "التوراة" اليهودية: "على حرابك تعيشين يا صهيون". اما "توراة – ثورة" المقاومة الفلسطينية والعربية فلم تثبت بعد انه "على حرابك تموتين يا صهيون".
أتحدى القراء، بمن فيهم الاكثر إطلاعًا، ان يستطيعوا حصر وتعداد كل اسماء الحروب والحملات والاعتداءات التي شنتها اسرائيل على مدى تاريخها، وكذلك التطويرات التي اقتنتها او اخترعتها لمضاعفة قوة ترسانة سلاحها. وكل ذلك بهدف "مخاطبة" العرب بلغة القوة التي "لا يفقهون غيرها".
لم يبقَ في مخازن القوة الاسرائيلية من سلاح لم تستعمله بحق العرب حتى يفهموا... الا مخزون السلاح النووي. لكن اسرائيل لا تستطيع استعماله بحق جيرانها العرب. اذ أن "العقل اليهودي الخاص والذكي الخلّاق" لم يبتدع بعد "قبة حديدية" ولا "معطف ريح للدبابة" ولا "جداراَ واقياَ" يمنع تسرّب الرذاذ النووي الى سماء وارض اسرائيل. تمامًا كما لم يخترع العقل الانساني العالمي، ولا يستطيع ان يخترع، سلاحًا بمقدوره ان يفتك بحق الشعوب في تحررها وتقرير مصيره.
هذه الاشارة اعلاه، تعلمنا ان فائض القوة بحق العرب سيؤدي الى ان تقضي اسرائيل بذاتها على ذاتها ان لم تنه الاحتلال حتى لَوْ لم تستعمل السلاح النووي. ثم للقوة محدوديتها، وفائضها يؤدي الى نقيضها، والى فائض من الجريمة ايضًا. وما دامت الضحية لا تخنع سيكون مصير بلطجي وأزعر "الحارة" الشرق أوسطية الامتثال امام محكمة الجنايات الدولية بصفته مجرم حرب.
اسبرطائيل (جمع اسبارطة واسرائيل) من أقوى دول العالم عسكريًا وعلميًا واقتصاديًا، ومدعومة من "الامبراطورية" الامريكية الأوحد والأقوى عالميًا. يجري تدريج جيشها في المكان الخامس دوليًا من ناحية عِظم قوته وتسلحه. وهو الجيش الاكثر والافضل تدريبًا وخبرة على فنون الحرب والتدمير والقتل، لانه الجيش الاكثر اشعالًا للحروب واستعمالًا للقوة منذ اواسط القرن الماضي حتى اليوم..
(يتبع جزء ثان وأخير من الحلقة الأولى، غدًا)
