ودعت مدينة الطيرة الخميس الماضي، المناضل والمحارب أبي حاتم الخضر، وهو من آخر محاربي الطيرة والمدافعين عن بقائها وعزتها.
رجل قبض على الجمر ووضع دمه في كفه لنكون شعبا منتصب القامة مرفوع الهامة لم يهن في أرض الأجداد والأحفاد!
كانت جنازة أبي حاتم مهيبة ومع انتهاء الطقوس الدينية قام بتأبينه عضو المكتب السياسي لحزبنا الشيوعي، الرفيق سامح عراقي، الذي أكد أهمية صون ذكرى الفقيد ورفاقه ممن حاربوا وضحوا وخاطروا بحياتهم من أجل بقائنا، وخاصة في هذه الأيام ونحن نتصدى لجرائم الهدم والتشريد والترحيل.
والعم أبو حاتم كان فعلا شخصية مميزة، وقد عرفناه في جيل مبكرة، وأول ما عرفناه به ابتسامته الطيبة وخلقه الدمث، إذ كنا طلابا اعداديين عند توزيعنا للمنشورات أو لصحف الاتحاد فيلقانا غالبا في مدخل منزله بكلام مشجع يحيي بنا العطاء لبلدنا وأهلنا وأما اللقاء الأول به عن كثب فكان في صيف العام 2005، عندما فقدنا رفيقه بالسلاح، طيب الذكر خالد خاسكية، أبو عبد الفقاع، ويومها حكى في مقابلة للاتحاد، عن أنه بدأ نشاطه الثوري في العام 46، في صفوف حركة "النجاد"، وعن تلك الأيام التي وصفها بأنها كانت كلها شقاء في شقاء، قال:"كان يأخذنا أبو نسيم أبو خيط الى البدو والى البصة، في البصة عزبنا وهناك ألقيت أول خطاب وتلعثمت، كنا نوعي الناس ونحرضهم ضد بيع الأراضي للصهاينة"، ويؤكد أبو حاتم بأن تلك الأجواء المشحونة ما كانت بعد لتؤثر كثيرا على حياة الناس "كنت أشتغل في تلموند، وأذهب الى العمل بزي النجاد"، وزي النجاد "كاخي فيصلي"، أقرب الى العسكري.
وعند اندلاع المعارك في العام 48 كان أبو حاتم قد ذهب ليحارب في مدينة يافا إلا أن الأداء الخياني لجيش الانقاذ هناك جعله يعود إلى مسقط رأسه الطيرة.
وكما هو معلوم فإن الطيرة وكونها تقع على حدود الدولة الفلسطينية وفقا لقرار التقسيم حينها فقد شهدت معارك حادة وحظيت بدعم واسع من البلدات المجاورة إلا أن شبان البلدة حاربوا ببسالة وكان أبو حاتم من بينهم مشاركا في معارك البلدة الدامية، بدءا بمعركة الخميس التي وقعت في 13 أيار 48 مرورا بمعركة الجمعة، في اليوم التالي، وحتى هجمة المدفعية أو هجمة المدرسة، في الـ 30 من الشهر ذاته.
أبو حاتم كان يستذكر تلك الأيام كأنها الأمس القريب وأبرز ما كان في كلامه هو التواضع ونكران الذات والتأكيد على التضحيات الجماعية التي منعت سقوط الطيرة.
الطيرة لم تسقط إلا أن الملك الأردني عبد الله الأول قدمها هي والمثلث في حينها على طبق من ذهب للدولة اليهودية الناشئة لتقع فريسة تحت مخالب الحكم العسكري البغيض وهو تحول كان كفيلا بإحباط الكثيرين، حتى من أشاوس المحاربين، إلا أن أبا حاتم وكثرا غيره واصلوا النضال والتحدي، وغالبيتهم وجدوا أنفسهم إما أعضاء في الحزب الشيوعي واما أصدقاء له وفقيدنا كان صديقا صدوقا للحزب حتى أواخر أيامه.
اليوم، ونحن نواجه موجة عاتية من التحريض العنصري وتهديدا مباشرا لبقائنا ووجودنا، علينا أن نجدد الوفاء لمناضلي شعبنا ومكافحيه ونعيد الهيبة لارثهم النضالي وقيمهم النبيلة، علنا نفي بالعهد بالبقاء على العهد!
لأبي حاتم الرحمة وطيب الذكر وللأهل من بعده طول البقاء وحسن العزاء!
