لست آسفًا

single

إستشاط غضبا وغيظا عندما جلس مع زملائه الطلاب يستمعون إلى مداخلة من المعلم الذي بدا متلهفا ، متوقد الحماس ، وهو يقدم مداخلة لطلاب الصف الثاني عشر بمناسبة العيد الخمسين لقيام الدولة . وقف المعلم بخيلاء يرتدي بزة باللون الأسود الغامق وربطة عنق حمراء تشد عنقه تحت ياقة قميص ناصع البياض ، وابتسامة ماكرة تغمر وجنتيه المنتفختين ، وضمّخ شعره الجعدي بقليل من الزيت فأعطى بريقا ولمعانا . أضفى بشكله كأنه في يوم زفافه .
إستهل مداخلته من التاريخ القديم وإيفاء لمهمته لجأ إلى التوراة ككتاب مقدس ، يقتبس منها ما جاء فيها من ذكر على لسان الرب وهو يخاطب إبراهيم بأن يمنحه كل الأرض التي تراها عيناه من الجنوب والشمال والشرق والغرب ، ولم يبخل من ذكر إسحاق ، ثم يعقوب الذي وعده الرب بإكثار نسله وإعطائه الأرض التي يقوم عليها . وعهده ليعقوب (إسرائيل) بان يعطيه أرض كنعان كاملة ملكا  له لا يناهضه ولا ينازعه عليه أحدهم وقال ماذا يعني ذلك يا أستاذ فقال يعني من النيل إلى الفرات . ثم استذكر داوود وسليمان وبناء الهيكل مرورا بالعصر الحديث إلى المؤتمر الأول للصهيونية في بازل . ثم بوعد بلفور ثم بالكارثة "المحرقة" وما ألم باليهود من تقتيل ومعاناة من براثن النازية وصولا إلى قرار التقسيم وانتهاء بقيام الدولة بعد حرب ضروس .
أفرط بالحديث عن الحق التاريخي لليهود ثم أطنب في الكلام عن الصهيونية فترك انطباعا  من النفور والاستياء وشعروا بالاستخفاف بمشاعرهم والاستهتار بأحاسيسهم عندما تعمد طمس وجود الشعب الفلسطيني عبر التاريخ في هذه الديار . وتغييب متعمد لمأساة هذا الشعب ومعاناته دون أن ينبس بكلمة واحدة عن الدولة الفلسطينية والنكبة وما آلت إليه من تشرد وتشريد وتهجير شعب بأكمله واحتلال كامل أرضه الذي تزامن مع قيام الدولة ، وما تمخضت عنه الأيام من اعتداءات واحتلالات أخرى ، فطفقوا يتهامسون ويتواكزون فطغا الهرج وساد المرج ، وهو غير مبال ٍ في إغداق "درره" عليهم وهو يتلمظ شفتيه والزبد يفيض من شدقيه ، فهمس احدهم وقال : ألأستاذ بايعها وقال آخر : انه جبان وقال ثالث : انه عميل وقال الرابع : انه خائن ، وفي غمرة هذه التعقيبات نشبت بلبلة وفوضى وتصاعدت موجة الاستنكار التي بدت خفيفة ثم اشتدت فغدت صاخبة فأخذوا يقذفونه بوابل  من التساؤلات، ويرمونه بثقيل العبارات فتكدر جبينه واغبر وجهه، فتندر وهاج وماج ، كمد حقده وكظم غيظه وصمت.
 قرع الجرس إيذانا بانتهاء الحصة، فوجدها فرصة سانحة للتخلص من تلك الورطة، وخلاصا من ذلك المأزق الذي أوقع نفسه فيه. ففي الفرصة القصيرة كثرت التعقيبات والتعليقات عن المداخلة.
أغشى شطط الشباب وطيشه عيني الطالب أحمد فلم يجد من وسيلة للاحتجاج وللتعبير عن غضبه وغيظه غير أن أخرج " حمامته " بلا خجل أو وجل وجعلها قلما، ومن بوله جعل مدادا ومن على قطعة من الأرض في ساحة المدرسة كتب شتيمة وشتم فيها ........ ورسم ........
ومع انتهاء اليوم الدراسي. وجد نفسه عرضة للتحقيق من قبل عدد من المعلمين لمعاقبته على فعلته تلك "الخطيرة" أعقبها استدعاءات وتحقيقات من رجال الشرطة والمخابرات.
وذات يوم وفي فصل جديد من حياته وجد نفسه يحمل شهاداته الأكاديمية الغنية بالكفاءات وراح يطوف البلاد ويجولها طولا وعرضا. يطرق أبواب الوزارات، الدوائر الحكومية والمؤسسات الأخرى سعيا لإيجاد وظيفة. فكانت الصدمة عنيفة إذ لم يتناهَ إلى ذهنه "فعلته" تلك وباتت نسيا منسيا. وكان كلما طرق بابا من تلك المؤسسات والدوائر يجد جوابا واضحا بلا مواربة ونفس الجواب " نأسف" حتى انتهى به المطاف أن يطرق باب مكتب مفتش المعارف في المنطقة. فلم يكن حظه أوفر من تلك المؤسسات. تناول المفتش من الاضبارة سجلا فيه قائمة طويلة من الأسماء. وبعد أن تفرسها وأمعن النظر فيها قطب جبينه وعقد حاجبيه ثم حدجه بنظرة شزراء، وبنبرة خشنة قال له: آسف، آسف، آسف. فنهض أحمد وكان رده سريعا فلم يتقاعس، ولم يتخاذل. فك أزرار بنطاله وأمسك"حمامته" وراح يبول أمام مكتب المفتش وهو يكتب على مرأى منه شاتما الصهيونية ورسم ...... وهو يردد على مسمع من المفتش: لست آسفا، لست آسفا، لست آسفا.

قد يهمّكم أيضا..
featured

جرائم الاحتلال ومواعظ الاستنكار!

featured

Apocalypse "داعش» والحليف الأميركي

featured

المؤتمر الـ 16 للشيوعيين في منطقة أم الفحم إلى أين؟

featured

هنا على صدوركم باقون كالجدار

featured

من أجل بناء عقلية جدلية معاصرة

featured

58 عاما على ثورة يوليو الناصرية

featured

دولة الشعب الإسرائيليّ!