شرَّفتني ذاكرتي بالآية الكريمة ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ..﴾، حين سمعتُ نعيَ الرَّئيس الأمريكيِّ باراك أوباما، ليلة الخميس الماضي، وفاة البطل نيلسون مانديلا رئيس جنوب افريقيا الأسبق، بعد أن نكِّسوا أعلامهم، ذاكِرًا مناقبه بالنِّضال والحرِّيَّة والتَّضحية، مع أنَّهم رأس الأفعى ومحراك الشَّرِّ في العالم، " بأنَّ العالم قد فقد رجلاً مؤثِّرًا وشُجاعًا حيث كان رمزًا للنِّضال ضدَّ الفصل العنصريِّ، وعمل على إقامة مجتمع حرٍّ وعلى تحقيق الدِّيموقراطيَّة.." وتذكَّرتُ بيت شعر للإمام الشَّافعي:
يُعْطِيكَ مِنَ طَرَفِ اللسَانِ حَلاوَةً وَيَرُوغُ عَنْكَ كَمَا يَرُوغُ الثَّعْلَبُ
حين أكَّد جورج بينر رئيس مجلس النُّوَّاب الأمريكيِّ "أنَّ حربه ضدَّ نظام الفصل العنصريِّ ستستمرُّ لتمدَّ الأجيال القادمة بالأمل.." وشرَّفني خاطري كذلك بآيةً أخرى ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ عندما قالت عنه مستشارة الأمن القوميِّ الأمريكيِّ سوزان رايس" ولكن ميراثه والقدوة التي قدَّمها سيظلان باقيين إلى الأبد".
تصدرُ هذه الكلمات من دولة عُظمى في استغلال الفقراء والمُحتاجين وتكرِّس مقدَّراتها على الحرب والعدوان ونُصرة الظَّالمين ودوام الاحتلال، فبلاد "تمثال الحرِّيَّة" هذه هي التي نعتَت مِثال الحرِّيَّة مانديلا بالإرهابيِّ، لأنَّه كان يقود نضال شعبه الى التَّحرُّر والاستقلال والتَّقدُّم، ولم تحرِّك ساكنًا، حين زجَّته شقيقتُها دولة الفصل العنصريِّ، جنوب أفريقيا، في غياهب السُّجون الانفراديَّة، على جزيرة روبين آيلاند الواقعة على المحيط الأطلسيِّ وعلى بُعد سبعة كيلومِترات من العاصمة كيب تاون، اثنتين وعشرين سنةً، فبعد أن كان مسجونًا تحرَّر بصموده وانتصار شعبه وانتقل من السِّجن إلى سدَّة الحكم، إلى الرَّجل الأوَّل في الجمهوريَّة..
لقد دخلت، إلى هذه الجوقة أيضًا، حكومة بيبي، حكومة الجدار العنصريِّ الفاصل، والذي وضع جميع سكَّان الضَّفة وقطاع غزَّة، في چيتو واحد، إلى التَّغنِّني في مناقب مانديلا، وعلينا ألا ننسى، أنَّه عندما قطعت جميع الدُّول الاستعماريَّة علاقتها مع نظام الفصل العنصريِّ، بعد أن أُحرجوا في جميع المحافل الدُّوليَّة، حافظت إسرائيل على علاقتها الوطيدة مع هذا النظام..
لقد لاطمت عينُ مانديلا مخرزَ الامبرياليَّة ووليدتها بانية الأبرتهايد، ولم "يحُطْها واطية"لم يساوم على استقلال بلاده وحرِّيَّة شعبه وحرِّيَّته الشَّخصيَّة، وحين شعر أنَّ النِّضال السِّلميَّ لم يُسعفْ أمنيات وتطلُّعات الشَّعب التجأ إلى الكِفاح المسلَّح..
لقد قال مانديلا لمساوميه على حرِّيَّته: لا يُمكن أن تُعطَى الحرِّيَّة على جرعات، فإمَّا أن يكون حُرًّا أو لا يكون"، فقد كان رمزًا للشَّجاعة والفداء والبطولة بقوله: الجبناء يموتون مرَّات عديدة قبل موتهم، والشُّجاع لا يذوق الموتَ إلا مرَّةً واحدةً".
علينا ألا نسأل المُحتلَّ الغاصِبَ متَّى سيتعلَّم من درس مانديلا! بل علينا أن نسأل القيادة، أوَّلاً، متى ستُصبح مثل مانديلا ورفاقه، ومثابرتهم وتضحيتهم ووقوفهم عند حقوق شعبهم وبلادهم دون أن يحيدوا عنها قيد أُنملة، إذ يبدأ هذا من القائد ومن بيته ومن أفراد عائلته ليكونوا مثالاً للآخرين يُحتذى به، بعيدًا عن التَّكبُّر والمُغريات والرَّفاهيَّات والأنانيَّة، التي يمنحها غالبيَّتهم لأولادهم وعائلاتهم ليعيشوا حياة عزٍّ وبذخٍ وترفٍ في الغرب، بينما تعيش عامَّة الشَّعب في فقر شديد مدقع، فكيف له أن ينتصر والزَّعيم غافل في برجه العاجيِّ بعيدًا عن هموم ومطالب شعبه الرَّازح تحت الاحتلال، فهنا يفقد مصداقيَّة القيادة ويكون بعيدًا عن النَّصر بُعد القَمرين عن
بعضِهما البعض..
رحل الرَّجل الشُّجاع، ولم ترحل مآثره، رحل مِثال النَّضال، ولم ترحل تعاليمه،
ستبقى ذكراه مُخلَّدة، في سجل الأبطال الشُّرفاء، وأٌحيِّيه كما حيَّاه المناضل والأسير المُحرَّر داود تركي:
حُيِّيت منديلاّ لنا بطلاً بِذُرى الإبا للنَّصْرِ مُكْتسِبا
دُمْ للمَدى ما عِشْتَ أبيَضَنا عَمَلاً ودُمْ في الكَوْنِ مُنْتَصِبا
حيفا
