العَجين

single

أذكرُ عندما كنتُ صغيرة، والناسُ نيام، الهدوء والسّكينة يخيمان على القرية، القمرُ يبعثُ بنوره الفضيّ السّاحر، ويُداعبُ عيونَ الصغار النائمين على سطوح البيوت مع أهاليهم، كانت أمي تعجنُ عَجينة الرّقيق، في ساعة مُتأخرة من الليل، تتركه يرتاح، ثم تأتي بعدها بلجَن من الالومنيوم، وترش أرضَه بالطحين.
تبدأ أمي بتقطيع العجين قِطعا قطَعا، تُروّجه وتُكوّرهُ حتى يُصبحَ دوائرَ. تصُفّه في لجن العجين، فوق الطحين المنفوش في أرض اللجن، وأنا واقفة أراقبُ، كيف أنّ الدائرة الأولى كانت كبيرة، الدائرة الثانية بدأت تصغر، والثالثة تصغر وتصغر، وهكذا حتى تبقى فتحة واحدة في وسط اللجن، تتسعَ لقطعةِ عَجينٍ واحدة ليكتملَ المشهدُ. ثم تأتي أمي بقطعة قماش بيضاء ناعمة، وتلقَحها على وجه العجين، تتركه جانبا، وتذهب لتنامَ ساعات قليلة وتُريحَ جسدَها.
أذكر كيف كانت أمي تستيقظ ساعات الفجر الأولى، تتسَحّبُ بهدوء حتى لا توقظَ أحدا. توقدُ النار بالحطب الذي احضرته من البريّة خصّيصا للخَبيز، تضع الصّاج بعد تلميعه على النار، تأتي بعارِضة الخبز الخشبيّة، تركنها في مكانها، تضع أعوادَ الحطب بجانبها من جهة، وتضع لجنَ العجين من الجهة الاخرى، وتبدأ بالخبيز. وأنا وكلّ أفراد البيت نغطّ في نوم عميق.
نائمة أنا، أسمع أصواتا مثل الدقّ على الدربكة، أفتح عيني وأغلقهما ويعاودني النوم.أسمع الصوتَ مرة أخرى، ومرة أخرى، أفتح عينيّ وأنَصّبُ أذنيّ، وأتأكّد أنّ هذا ليس حُلما.
وانتبهتْ أختي التي تنام إلى جانبي على طرّاحة مفروشة على الأرض، فتحت عينيها وفركتهما، رأتني جالسة في الفراش، أصغي لهذا الصوت وهذا الدّبيب، سألتها: ما هذا؟ قالت إنّ أمّي تخبز العجين في المطبخ البرّاني. تركنا الفراش، خرجنا نُطلّ برُؤوسنا من باب المطبخ الخارجيّ، ترانا أمي، تبتسم وتقول:
- فِقْتوا... ما دام فِقتوا تعالوا أعلّمكوا كيف بخبزوا...
اقتربنا بسرعة، ركعنا أمامها على رُكبتينا، لا يفصل بيننا غير عارضة الخبز.
بدأت تُعلّمنا ونحن نراقب حركات أصابعها وكفّيها، كيف تضعُ قطعة العجين على العارضة، كيف تنعفُ الطحين تحتها، كيف تُوسّعها بأصابعها العَشر، كيف تستعملُ كفّيها على وُسعهما لتتوسّع العجينة أكثر، كيف ترفعها تلوحُها تُنقّلها بين يديها، لتمدّ معها العجينة أكثر، حتى تصبح رقيقة، ثم تَسحب الكارة الدائريّة المصنوعة من القماش، تضع يدها في وسطها، ترفعها وتلقحُ العجينة الرقيقة فوقها لتصبحَ كالشمسية، تُرتّب أطراف العجينة وتشدّها إلى اسفل، ثم تلزقها على الصّاج حتى تستوي.
راقبنا أمي وحفظنا الدّرس، كلّ واحدة منّا عجينتها بيدها، بدأنا نُقلّد أمي، نستعمل أصابعنا وكفّينا واصوات الخبط تعلو وتعلو، نرفع العجينة عن العارضة ونلوحها، انقلها من يد ليد وتأتي النّقلة قويّة، لتطيرَ عجينتي وتلتصق بحائط المطبخ، وأختي لم تستطع السيطرة على عجينتها، تمطّ وتمطّ معها وتصبح مطّوطة مثل شال طويل، عندها يُباغتنا الضحك، أمي تغضب وتصرخ علينا، ونحن نضحك ونضحك. أمي مقهورة، تمسك بعودة من الحطب، ترفعها وتهددنا بها وتقول:
- قوموا فزّوا... قوموا انقلعوا من وجهي، بِجيش من وراكو غير تعَب البال...
نقف بسرعة على أرجلنا ونهرب إلى ساحة البيت، وضحكاتنا تعلو وتعلو، وأمي غاضبة ومقهورة منّا وعلينا.
يستيقظ أبي على صوت صياح أمي، وصوت ضحكاتنا، يأتي إلى مطبخ الخبز ويسأل أمي عن هذا الصياح، تحكي له الحكاية ويقول لها:
- خلّيهن يتعلّموا... شو بدهُن يتعلّموا من اوّل مرّة؟
 تردّ أمي عليه وتقول:
- إذا الحمير بتتعلّم هُنّي بتعلّموا.. مش شاطرات غير في اللماظة والمرقحة...
يضحك أبي، ينادي علينا ويقول: ليش عم بتزعلوا إمكوا.. روحوا جيبوا صحن زيت وصحن لبنة وصحن زتون عشان نوكل خبز سُخن...
ندخل أنا وأختي إلى المطبخ، ونأتي بكلّ الذي طلبه أبي على سدر من الالومنيوم، نحمله بين يدينا ونضعه على كرسيّ من القشّ أمام أبي.
تنظر أمي إلينا بعين الغضب، نظرة عتاب وحسرة، ننظر إليها، نعاود الضحك من جديد، يغلبها الضحك هي أيضا، تضحك من كلّ قلبها، وتتابع الخبيز.
أمي تخبز، وانا وأبي وأختي نُغمّس ونأكل.. أمي تخبز ونحن نأكل..
عندها قالت: يلاّ .. عِدّوا عليهُن عدّوا.. إم علي بْتقلع وبوعلي ببْلع.



(الرامة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الصيام قبل الإسلام

featured

إسقاط الحكومة لصدّ مغامرات الحرب!

featured

تدخل أمريكي وقح

featured

صانع النكبتين.. صانع النكبات

featured

أمسك بالقلم ولمّا يتركه يهدأ

featured

..الذي انتزعتُ أبوَّته عنِّي

featured

فلسفة نهاية التاريخ، أم تشويه قراءة التاريخ