أبو نمر لا يترك عرينه

single
إذا لم يخنّي حدسي فان رفيق الدرب ابو نمر يقترب من الثمانين من عمره المديد. لقد ولد شلفاويا، عسراويا، يأكل ويبني حجارة البيوت وينقض على الخصوم، إن احوجت، بيده اليسرى، ولا يعرف غير "بيت اليسار" عرينه. ولد لعائلة عمالية مستورة الحال لم تغير يوما هويتها الوطنية الكفاحية وأمميتها الصادقة المشحونة بالبغضاء للطائفية وللاصولية الطائفية المتعصبة دينيا. فوالده خالد الذكر ابو ناهي من اوائل اصدقاء الحمر في بلدنا وصمام الامان والامن في رعاية وشد ازر زارع بذرة الشيوعية في قريتنا خليل الخوري. وفي بيت اخوته، احدهم "ابو علي" والثاني اسم احد ابنائه محمود مع ان العائلة عربية مسيحية بالوراثة. في صغره قبل النكبة كان ابو نمر وصفة في الشَّقْوَنِة والشجاعة والجرأة والقبضنة. ومشكلته الاساسية كانت كيف واين يصرف الطاقة الهائلة الكامنة في جسمه، خاصة وانه في ذلك الوقت لم تكن متوفرة في قرانا لا ملاعب رياضية ولا نواد ثقافية لقضاء وقت الفراغ. ففي مثل ذلك الوضع كان ابو نمر مع صديق صباه وعمره ابو حاتم الكوكاني يفرغان طاقاتهما بالشَّقْوَنِة. ابو نمر كان بطل جيله في القفز العالي، الوحيد الذي كان يقفز عن "صده" بشكل خازوق ارتفاعها متر ونصف المتر فيما يفشل ابناء جيله، كان بطل المباطحة على البيادر والمزابل وفي سرقة البطيخ والحمص عندما كان يرافق ابو حاتم في الرعاية. لم ينه سوى الصف الثالث الابتدائي وسجد المعلمون قياما وقعودا عندما ترك المدرسة قد ما كان مغلبهم.
في سن مبكرة نزل واخوته، فهو كبيرهم، الى سوق العمل في العمار، كما وجد هو طريقه الى الحزب واخوته وهيب وحسيب الى الشبيبة الشيوعية. قد ما كان يحب القبضنة وليس الزعرنة اطلق على جميع ابنائه الاسماء المعدة لملك الغاب، فبِكْرهُ نمر وبعده فهد واسد وشبل. ولشظف العيش والحياة الصعبة كانت ام ناهي تجد صعوبة في تحضير زوادة لشباب يفلقون الصخر، فلجأت الى قن الدجاج تستعين بالبيض يوما تسلقه وآخر تقليه او تحوسه مع بطاطا او كوسا. ومعروف عن ابو نمر خفة الدم وحبه للمزاح، نادى على اخوته، اصطفوا في ريف واحد "وفصعوا" أقفيتهم ونادى على امه، وكما اتفق مع اخوته اخذوا يقاقون مثل الدجاج، وقال لامه "اعمليها لوجه الله تعالى غيّري الزوادة".
في الحزب كان مسؤولا عن توزيع "الاتحاد" سنوات طويلة، وفي اغلب الاحيان كان يدفع ثمن ديون من لم يدفع المستحق. وحقيقة هي انه لم يتراجع يوما، وحتى يومنا هذا، عن تأييد الحزب والدعوة له والدفاع عنه، كما لم يتنازل حتى يومنا هذا عن قراءة "الاتحاد" يوميا. وبشخصيته القوية وتحزّبه للقضايا الوطنية يتحدى الامراض التي ألمت به ويشارك في مختلف النشاطات السياسية الجماهيرية والاجتماعية التي تعقد في القرية.
قبل عدة ايام التقيت بأبي نمر الذي تربطني به رفقة عمر في المعترك الكفاحي، على مُحياه تبرز مسحة حزن ولكن البسمة لا تفارق شفتيه، قلت وبصراحة، ماذا يحزنك يا ابا نمر؟ قال، يحزنني بعض الاوضاع التي ادت الى ضياع بعض الناس والشباب في سراب المجهول. قبل عدة سنوات حذرت بان المخابرات الامريكية تختفي وراء ثياب التزهد الديني الاصولي المسيحي لضرب القوى الوطنية وخاصة القوى التقدمية بحجة الابتعاد عن السياسة واي نشاط كفاحي وتكثيف السجود في محراب الرب ويسوع المسيح عليه السلام. يطلق عليهم "المتجددون" وغيرها من الاسماء المغرية. لا يشاركون في التصويت لا للكنيست ولا للمجلس المحلي. الاصولية غزت مختلف الاديان من اسلامية ومسيحية ويهودية. تصور ان النار وصل حريقها الى بيتي فابني اليساري المحروق تحزبا ونشاطا الى جانب الحمر اجتذبوه الى حلقاتهم ودجنوه فكريا وسفروه مع غيره الى البرازيل بشرط ان يكون من دعاة ومؤيدي اليمين او ان تخرسوا ألسنتكم وتفترشوا رصيف الشارع الكفاحي. علينا بعض الحق يا رفيق، اهملنا خلال سنوات المحاضرات والتثقيف وتنظيم الشبيبة وتوثيق العلاقة الاجتماعية – السياسية مع الناس وقضاياهم. والدنيا لا تطيق الفراغ الذي يملؤه غيرنا. عودوا الى تنظيم اجتماعات الاحياء.
- بصراحة، حديثه شحنني عزما وقوة اضافيين، فمن لا يترك عرينه كأبي نمر، ابن بار لشعبنا.
قد يهمّكم أيضا..
featured

شهب ونيازك: لجبهة مصمص تحية

featured

"تاغ محير" عربي

featured

القائمة المشتركة حلم يتحقق

featured

مصلحة روسيا في تأييد العقوبات على إيران

featured

ماذا تفعلون بزيتونة مثمرة إذا ما أصابها بعض مرض؟

featured

خلف حملة المستوطنين الدموية!