"هذا الحزب هو زيتونة الوطن"
- ليسأل نقادي أنفسهم: لماذا الدفاع عن قضايا الشعب والناصرة العادلة تكون دفاعًا، وان كان غير مقصود، عن الجبهة؟ لأن لهذا الحزب/الجبهة الفضل الأكبر في بقائنا وبلورة هويتنا القومية الوطنية والثقافية التقدمية الجامعة كشعب، وفي استلال الانجازات بما فيها البلدية وتمثيل تطلعاتنا. ما من مكسب أساسي حققه شعبنا الباقي في وطنه منذ النكبة حتى اليوم، وإلا كان لهذا الحزب دور في تحقيقه. هو زيتونة الوطن. في ظلها تظللنا واحتمينا. على ثمارها وزيتها تغذينا. وبين أغصانها بنينا أعشاشنا وفرّخنا. وعلى جذعها بَرَينا وشحذنا مناقيرنا الغضة وكبرنا وانطلقنا وحلّقنا نسورًا تطاول القمم كرامة قومية وعزّة وطنية*
برأيي، غفل أو عجز الحزب الشيوعي (والجبهة) عن رؤية واستشفاف مآل التحولات والتغييرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية لدى شعبنا، وما تفرزه من اصطفافات جديدة، ومن حاجة حياتية لإصلاح وتجديد وتطوير الفكر وبرنامج العمل ونهج الممارسة والتنظيم. فضّل الحزب الإقعاء في الماضي والاعتماد أكثر من اللازم على مآثر تاريخه الماضوي، وكأن ذاك الارتداد للتاريخ الماضوي وبشكل ميكانيكي لا جدلي يشرعن اخطاء مواقف الحاضر وجمودها ويمنع اثرها السلبي.
حين اقرأ وأسمع اليوم دعوات البعض للعودة إلى ذلك الماضي، أتساءل أيّة عودة وأي ماض بالضبط تقصدون؟ ثم الا تعكس هذه القرفصة في الماضي حقيقة غياب مشروع الحاضر؟ حين قرأ ووعى القادة الشيوعيون القدامى حاضر واقع شعبهم وتطلعاته في حينه وحال حزبهم وضرورة طرحهم لمشروع ينهض بشعبهم وبهم.. تغيّروا وغيّروا، تجددوا وجددوا ولم يواصلوا المرابطة في ماضٍ سبق حاضرهم يومها. اجترحوا المبادرات وأيام الكفاح وبناء الأطر التنظيمية التمثيلية للجماهير العربية، بما فيها الجبهة، وطوّروا ونوّعوا أدوات النضال ورفعوا من سقف تطلعات شعبهم في شتى المجالات. أي كانت لهم "أجنحة" جعلتهم يحلقون خارج أقفاص وأثقال واقعهم. ولا أنفي بهذا وقوع أخطاء في الماضي أيضًا، وهذا طبيعي.
العودة المطلوبة اليوم هي العودة إلى منهج التفكير ونهج الممارسة الجديدين دومًا، باستيعاب تجربة الماضي نقديًا وايجابيًا وتجديدها وفق متطلبات الحاضر. وهي بهذا "عودة" إلى المستقبل إنطلاقًا من حاضر اليوم وواقعه. وللأسف لا يستطيع المتفاخرون بالماضي أن يتفاخروا هم اليوم، بصفتهم مواصلي المسيرة، بأية مبادرة جماهرية تجديدية قاموا باجتراحها في الحاضر على صعيد طرح قضايا الجماهير العربية وتنظيمها وتجديد أدواتها النضالية وتصعيد كفاحاتها وتحقيق المكاسب والانجازات لها. اذكروا ولو مبادرة واحدة كبرى حتى اعتذر عن هذا "النقد المتجني".
بعض الشيوعيين الذين تنبهوا لهذا الوضع المأزوم وطالبوا حزبهم بالتجديد والتغيير وإعادة البناء، وجدوا أنفسهم إما مفصولين أو مهمَّشين أو آثروا الانسحاب والاستقالة. هكذا قصقص الحزب أجنحة بعض رفاقه وعلّب عقله الجماعي. تأزمت الجبهة وأزّمت في حاضرها رغم أمجاد ماضيها. لذلك من الأجدى لها ولشعبنا الاّ تلومنَّ إلا نفسها على الهزيمة الانتخابية التي جلبتها على ذاتها. لقد كفت ومنذ زمان عن كونها بؤرة جذب للناس بمختلف شرائحهم الاجتماعية وخصوصًا الأجيال الشابة. ويا ويل حزب لا يرى فيه الشباب حزبهم، ولا يكون دفيئة ينبت في ظلها قادة جماهيريون جدد. وافتقد الحزب / الجبهة للصلة المباشرة مع الناس وابتعد عن همومهم وعن الالتحام بقضاياهم وطرحها وملاحقة حلّها.
أما عن الضحالة والنشوفة الفكرية للكوادر وتغييب التثقيف النظري، وسوء التنظيم، وشحة التمويل، وقلة المتفرغين المحترفين، وتحول غالبية فروع الحزب والجبهة في البلاد الى ما هي أشبه بالعصبة والعائلة وحلقة الأصدقاء الضيقة والمنغلقة... فحدّث ولا حرج.
* حتى تكون الجبهة حقًّا.. جبهة*
كتبتُ (11) مقالًا عن انتخابات بلدية الناصرة. مقالان قبل الجولة الاولى للانتخابات وأربعة مقالات بين جولتيها وخمسة مقالات عن قراءتي لنتائج الانتخابات. في كل تلك المقالات أوردت ملاحظات نقدية عن أزمة الجبهة وأخطائها وضرورة إصلاحها وإعادة بنائها. ألخصها فيما يلي:
*ستحصد الجبهة في الانتخابات حصيلة أخطائها السابقة. لقد تأزمت وأزّمت، تكلّست وكلّست، شاخت وأشاخت. يبدو احيانا ان أعضاء الحزب والشبيبة الشيوعية مجموعة اصدقاء أشبه بحلقة ذكر ضيقة، بالكاد يعرفهم الناس خارج قفص "بيت الصداقة"، ويرفضون السماح بإقامة تنظيم "شباب الجبهة" خوفًا من أن يؤدي هذا الى تناقص الانضمام لعضويتهم! لم تعد الجبهة كشرايين الدم تملأ حارات المدينة، ولا "البلدوزر" الذي يزيل العقبات ويشق الطريق. تصدّأ "البلدوزر" ولا يُسمعنا إلا خرير "زموره" المخنوق في سيره نحو الخلف.
*"كنّا..وكنّا" و"نحن الطليعة" يردد الرفاق. لكن "كان" هي فعل ماض ناقص لا يقدم أجوبة لأسئلة الحاضر ولاستشفاف المستقبل. والطليعة ليست صفة يطلقها الإنسان على ذاته وإنما هي "نيشان" يمنحه إياه الناس بناءً على فكره وممارسته ومكتسباته لصالحهم. ومن يتذيل للأحداث ويدع التطورات تسبقه ولا يستشف المستقبل ويبقى متخندقًا في الماضي... يصبح ذيلًا. ومكان الذيل هو في الخلف.
*كانت الجبهة في عقود مضت بستانًا ودفيئة لتنشئة القيادات، لكنها أصبحت منذ سنوات أشبه بالأرض القاحلة. ما من بارز اليوم في صفوفها إلا من كان شابًا في سبعينيات القرن الماضي. وليس صحيحًا أنه لا يوجد بديل عندها لمرشحها للرئاسة الذي يفضّل عدم إعادة ترشيح ذاته. الصحيح الأصح أن الجبهة لم تبنِ بدائل لقياداتها. وهي لم ترَ أبعد من مصلحتها المؤقتة. أي تصرفت كما كتب إنجلز عن تصرف الماعز الأسود، في نقده لتصرف بعض القوى السياسية. الماعز يتغذى على جذور النباتات فيقتل نموّها، لأنه ماعز. ولو كان يتحلّى بالتفكير السليم لرعاها وجعلها تنمو أشجارًا وارفة يتغذى عليها لسنوات قادمة.
*على الجبهة أن تنتقد ذاتها بشجاعة وعلنية وتعيد النظر ببعض مواقفها وممارساتها فتُنقذ ذاتها باستعادتها لذاتها. الكولسترول تجمع في بعض شرايينها وقصر النظر أصاب عيونها. ولا تعي أن صحيح ماضٍ مضى قد يكون خطأ حاضر أتى. وعليها ألا تعود إلى تركيب قائمتها الانتخابية لما هو أشبه بقوائم الشيوعيين وأصدقائهم غير الحزبيين في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. بطاقة العضوية الحزبية يجب ألا تكون حسب رأيي هي المعيار لصحة الاختيار.
*تخطئ الجبهة حين تعيد مختلف أخطائها وسلبياتها لتأثيرات الظروف الموضوعية، علمًا أن الأسباب ذاتية. ومن واجب الجبهة مساءلة ذاتها الحزبية ماذا فعلتُ للحد من الآثار السيّئة لتلك الظروف، هل تجددت فكرًا وسياسة وممارسة وتخلّصت من قوى أخطأت، وجذبت قوى جديدة لعضويتي وتميزت بعمق معرفتي للواقع وكنتُ شجاعًا ومبدعًا في طرح الحلول؟
*من يقدم أجوبة الماضي على أسئلة الحاضر يخسر حاضره ومستقبله. ومن يعش على أمجاد الماضي دون اجتراح مبادرات جديدة يصبح هو نفسه ماضيًا. ومن ينفّر المثقفين من صفوفه يجف حقله. ومن لا يستقطب الأجيال الشابة يعجز ويشيخ. ومن يرَ في الانتقاد الموضوعي إنحرافًا وإنتهازية يحكم على نفسه بالجمود والإفلاس. والجبهة التي تصبح ملحقًا لسلطة بلدية تكف عن كونها طليعة سياسية واجتماعية يجب أن يكون همها خدمة الناس أولًا، وألا تتورع عن نقد السلطة البلدية حين تخطئ. والجبهة التي تصبح خيالًا وظلًا وملحقًا وتابعًا لحزب ومأمورة من قبله تكفّ عن كونها جبهة.
وأضيف اليوم: المطلوب ليس مجرد إصلاح شكلي للجبهة واستبدال وجوه بذات الوجوه مع الإبقاء على الوجوه ذاتها السائدة اليوم في الجبهة. المطلوب اعادة بناء وتنظيم وتجديد الجبهة جذريًا كحركة سياسية جديدة مستقلة وعريضة وليست ملحقًا تابعًا للحزب. ولا أقصد طبعًا استثناء الحزب الشيوعي من عملية إعادة البناء هذه، بل أناشده لأن يكون هو المبادر لها، وبتجديد نفسه اولًا.
جبهة واسعة الصفوف والمركبات والشرائح الاجتماعية والسياسية، بما فيها من أطر أهلية ونقابية وجمعيات وحتى أخرى حزبية إذا ما ارتأت تلك ذلك. جبهة لها برنامجها السياسي وتنظيمها وتمويلها وجهاز عامليها ونواديها وإعلامها المستقل. بدون هذا لا تكون أصلًا الجبهة حقًّا جبهة.
* الحزب أوّلًا*
الأزمة أزمة الحزب الشيوعي في الأساس. وكل ما ورد ذكره في هذا المقال ومقالات سابقة عن سلبيات وأخطاء ممارسات الجبهة ومواقفها تخص الحزب أولًا. الحزب كما أرى هو الذي يهيمن على الجبهة فكريًا وسياسيًا وتنظيميًا وإعلاميًا وتمويلًا وتوظيفًا لعاملين يحترفون العمل السياسي والجماهيري. هي برأيي أشبه بتابع مجرور مسلوب المبادرة ولا تتخذ أي موقف ولا حتى تلخيصًا لعمل قطري إلا بعد أن يكون المكتب السياسي واللجنة المركزية للحزب قد بحث وقرر. وتكاد لا توجد لأية هيئة جبهوية مركزية أو محلية لا يشكل الشيوعيون الغالبية المطلقة لأعضائها، وهم اصحاب القرار. او يكون الجبهويون في تلك الهيئات اقرب الى كونهم اعضاء حزب بدون بطاقات عضوية.
هزيمة الجبهة هي هزيمة للحزب أولًا. والطلب بإصلاح وإعادة بناء جذري لذاتها موجّه للحزب أولًا. والحزب هو الذي يقول عن نفسه أنه "العمود الفقري" لجسم الجبهة. فإذا ما أصيب الجسم بالتنميل وفقدان الإحساس و"الفتاق" (الانزلاق الغضروفي) والهشاشة والكسور... وصعب وتعذر عليه الانتصاب، من المفروض عندها فحص حال العمود الفقري وإجراء عملية جراحية فيه إذا ما استدعى الأمر ذاك.
على قيادة الحزب/الجبهة ألاّ تكتفي بمساحيق التجميل الخارجي لإصلاح وجهها. من واجبها، ومن المطلوب منها جماهيريًا، أن تقبض على سكين الجراح دون اهتزاز أو حتى رجفة في اليد، وتزيل كل الشوائب والنتوءات وتغلق كل الخروقات. هذا ما تتطلبه مصلحة الشعب ومصلحة الحزب والجبهة أيضا.
* تنويه عام وشخصي عن شجرة الزيتون*
لست عضوًا في الحزب الشيوعي والجبهة. استقلت منهما عام 1988، أي قبل 22 عامًا، ولا أنوي العودة لعضويتهما. وما زلت احتفظ بغضب شخصي وبمرارات على تصرفات ازائي يومها. لكن الغضب والمرارات وحتى رغبة الانتقام لا تصلح أبدًا لأن تكون خلفية لموقف سياسي سليم. وما من تناقض بالمرة، حسب وجهة نظري، بين نقد سلبياتهما ومطالبتهما بإصلاح الذات وبين الاقتراع لهما.
البدائل للجبهة التي كانت مطروحة في انتخابات بلدية الناصرة، أسوأ من الجبهة بكثير. خطايا تلك البدائل أكبر بما لا يقاس من أخطاء الجبهة. وأنا لا أدافع عن الجبهة في الأساس، وإنما عن شعبي ومدينتي أدافع. وليسأل نقادي أنفسهم: لماذا الدفاع عن قضايا الشعب والناصرة العادلة تكون دفاعًا، وان كان غير مقصود، عن الجبهة؟
لأن لهذا الحزب/الجبهة الفضل الأكبر في بقائنا وبلورة هويتنا القومية الوطنية والثقافية التقدمية الجامعة كشعب، وفي استلال الانجازات بما فيها البلدية وتمثيل تطلعاتنا. ما من مكسب أساسي حققه شعبنا الباقي في وطنه منذ النكبة حتى اليوم، وإلا كان لهذا الحزب دور في تحقيقه. هو زيتونة الوطن. في ظلها تظللنا واحتمينا. على ثمارها وزيتها تغذينا. وبين أغصانها بنينا أعشاشنا وفرّخنا. وعلى جذعها بَرَينا وشحذنا مناقيرنا الغضة وكبرنا وانطلقنا وحلّقنا نسورًا تطاول القمم كرامة قومية وعزّة وطنية.
أصاب هذه الزيتونة المعمرة والمثمرة في حديقة الوطن بعض وهن وبعض مرض. فهل تقلعونها وتحطّبون أغصانها، أم تعالجونها بتسميدها وبتقليم أغصانها اليابسة وبسقيها بماء/دواء النقد البناء؟ (انتهى الجزء 5)
