* أوضاع الشوارع في المدن والقرى العربية، من اوضاع السلطات المحلية
تمدد الشارع كالحنش الهائل، وأخذ يسرد قصته للرائح والغادي وبالنيابة عن جميع الشوارع في المدن والقرى العربية قال: لي حكاية طويلة، وحكايتي سلسلة من الحوادث والمآسي:
أستيقظ في الصباح على ضجيج السيارات من جميع الأحجام والأجناس ،وأكون كشريان شديد السواد. أرى في الصباح الباكر العمال يسيرون إلى أرزاقهم وأقول في سري: الله يسهل عليهم. ثم تبدأ الحركة والضجيج يشتدان فوق سلسلة ظهري وتبدأ الأخطار تتلاحق وتصل إلى أشدها بعد الساعة السابعة والنصف صباحا. في هذا الوقت تكاد أنفاسي تتقطع، وأتقلص في موقعي وتسري على بدني قشعريرة وأنا أتحسب من وقوع مكروه. أرى أطفالكم يأتون من الداخل يذهبون إلى المدرسة يتجمعون قربي ويبدأ صراعهم إلى المدرسة. يتجمعون قربي ويبدأ صراعهم لعبور ظهري إلى الضفة الأخرى وأنا أنظر إليهم، وأرى الخوف يملأهم وأكاد أذوب خجلاً.
تمر السيارات من أمامهم طائرة، ويهيئ التلاميذ أنفسهم يستعدون لعبوري وكلهم خوف وتوتر. يضعون أرجلهم على بداياتي، يفتلون رؤوسهم هنا وهناك، هنا وهناك، ثم تأتي المغامرة الكبرى يكادون يدبون بأنفسهم تحت عجلات السيارات، وأشعر على سلسلة ظهري بخبطات أقدامهم الصغيرة المتسارعة هربا من الموت. وحقائبهم تتقافز فوق ظهورهم، هذا العبور العظيم ما هو إلا بضعة أمتار ينجون به بالسلامة، ويصلون الى المدرسة فتكون أمزجتهم قد تعكرت على الصبح ونفسيتهم في غير هدوئها.
ويعودون من المدرسة في ساعات بعد الظهر، مرة أخرى يبدأ صراعهم مع الموت ما أن يقطعوني حتى يروا الموت بأعينهم، وفي الليل تركبهم أحلام مزعجة لما مرّ عليهم من أخطاري.
وأنا يا سادة شارع مضحك للغاية، من ينظر الى شكلي لا بد من أن يضحك، أو يحزن أو يغضب، فلا تزينني شارات مرور، ولا توجد قلائد حول عنقي من خطوط عبور المشاة، ولا حواجز واقية، ولا أرصفة، ولا إنارة تبيض صفحة وجهي، ولا يحزنون بل كثرت ،وتناثرت على جلدي البثور وبرزت الكدمات من كثرة صفعات إطارات السيارات، أصبحت كثوب أسود مهلهل كثير الرقع.
في الشتاء يلمع جلدي كجلد زنجي، وكأنني طليت نفسي بالسخام حزنا على الضحايا!
وفي هذا الفصل تكثر بقع الماء على ظهري، وكأنها جروح متقيحة أصبح مدمى الجبين ذا سحنة متجهمة منفرة.
أقول لكم الحق إني أشعر بالمهانة كلما نظرت إلى حالي، بربكم أهكذا تكون الشوارع، كيف تسمحون لأنفسكم، وتسكتون على حالتي هذه؟
عندما أرى طفلاً يقطعني تحت خطر الموت، يتعكر مزاجي، وتأخذني الصفنة واسأل أين المسؤولون؟
تحدث أشياء كثيرة فوق ظهري كل يوم حوادث حتى أصبحت أسبب خطرا حقيقيا لكم ولأولادكم، وإذا لم تتداركوا الأمر فسوف ترون دماءً كثيرة تسيل فوق ظهري ومن يعش يذكر الثاني!
خلال النهار أتسلى بالمشاهد التي تقع فوق ظهري، لقد كثرت السيارات فوقي وأنا صابر لا أشتكي ومن يفتح قلبي يجد شرايينه مهزوزة ونبضه متوترا.
أرى أولادكم يركضون فوقي مذعورين "ملخومين" من حركة السيارات، عندها يهتز بدني ويتلخبط كياني وتأخذني الرجفة، وعندما أسمع صوت فرامل السيارات تعض بأنيابها فوق جلدي، تسري بي قشعريرة، أجفل من غفوتي وأقول "الله يستر".
أذكر جيدا كم تجمعت فوقي سيارات الاسعاف والشرطة والاطفائية ووقفت حركة السير في شرياني لبضع ساعات، بعدها يعود السير وأعود الى غفوتي وما هي إلا بضع ساعات حتى استيقظ مذعورا على صوت فرامل أخرى.
لي أصدقاء من الشوارع في المدن اليهودية أحسدهم على حالهم، لقد عملوا حتى الجسور على ظهورهم ليسهلوا عملية العبور.
اتصل بشبكة شوارع البلاد، وأية خطوة لكم في الدخول أو الخروج تبدأ على ظهري وعن طريق فتحاتي، مثلاً:
تخرجون عن طريقي شمالاً الى مدينة نهريا، هذه المدينة واسعة العينين والقد وضحكتها رطل.
وتخرجون جنوبا عن طريقي الى مدينة ايلات، هذه المدينة فاجرة العينين والقد وضحكتها رمل.
ثم تعودون الى قريتكم هذه القرية جميلة العينين والقد وضحكتها عسل.
ها أنا الشارع البائس أقول لكم:
لن أسكت بعد اليوم حتى تضعوا لي ما هو كفيل بحماية أولادكم، أنا أعرف الآن أني مصدر إزعاج وقلق لكم ولأولادكم، ولكن الحق عليكم.
تعالوا واعملوا الأشياء المطلوبة، والتي هي في نظري بسيطة ولكن لها نتائج عظيمة.
ساعدوني وساعدوا أنفسكم والتفتوا اليّ لفتة كريمة ،لأتفاخر بكم امام شوارع الدنيا!
(من كتاب سبيل الطاسات الصادر سنة 1996)
(كفرياسيف)
