جارتي

single
حين هاتفتني شقيقتي/جارتي وضْحى هذا الصَّباح، كعادتها في صباح كلِّ يوم، الذي لا يكتمل دون سماع صوتها ولا يكتمل مسائي دون رؤيتها والحديث اليها، طلبت منِّي أن استمع إلى أغنية فيروز، حيث لا يمكنك أن تبدأ نهارك دون ذلك الصَّوت الملائكيِّ الرَّخيم والرَّحيم، الذي خُلِقَ فاتحةً لابتداء يوم جديدٍ، وإنعاشًا لمزاجٍ قد يتوتَّر خلال العمل أو الدِّراسة أو الانتظار..
لقد بدأت قصَّة عشقنا لفيروز منذ أن كنَّا ندبُّ على أربعنا لنصل إلى هدفنا، بعد أن نرضع حليب أمِّنا، أو حتَّى قبلها، حين كُنَّا أجنَّةً..
لقد كانت الأغنية "ديروا الميِّي"، من مسرحيَّة جسر القمر، حيث تدعو فيها إلى توزيع المياه على كلُّ أهل الحيِّ، حتَّى يشربوا، وقد ركَّزت شقيقتي معي على البيت "عنَّا جارة زرعِتْ حبقة، شو راح نعمل فيها، ما في عنَّا ميِّي بتبقى من عنَّا تسقيها" .."يا إيدك بإيدي"..
وهنا يثبُت حقُّ الجار على الجار، فهو الذي يسمَع أصوات ضحكاتنا وصياحنا ونحيبنا،  وكذلك نحن، وقد أوصينا بسابع جار، الذي نشاركه افراحه واتراحه، سعادته وكآبته، كما أنَّه يُشاركنا أفراحنا وأتراحنا، سعادتنا وكآبتنا، فالجار للجار ولو جار، فما لا ترضاه لنفسِك لا ترضاه لجارك..
اذكر أنَّه عندما كنَّا نسكن في حيِّ وادي النِّسناس، لم يوصد باب منزلنا البتَّة، بل كان منزلنا مشرع الأبواب دومًا، مؤهِّلاً للضيف، الذي يحلُّ عزيزًا وغاليًا، مكرِّمًا الزَّائر متى حلَّ، ونتقاسم معه عتبة البيت وصحنه، وكلَّ ما نملك، "تقاسمْنا الآلام والرَّهقا" واليوم نهبتنا سرعة الزَّمن الذي أصبحنا نتسابق معه في مبارزة ومباراة حتميَّة النِّهاية، التي نعرفها مسبقًا وهي أنَّ الغلبة لها، وكلُّ محاولاتي للجم هذه السُّرعة ذهب كما تذهب الرِّياح بأدراجها..
لقد كانت الإلفة والمودَّة والمحبَّة والمساعدة والتَّحابب والتَّعاضد بين الجيران على وجه أفضل من أيَّامنا هذه، "زمن السُّرعة" لكنَّها بقيت مزدهرةً ومنتعشةً مع شقيقتي/جارتي وضحى الجارة وأهل بيتها، التي أرى في عيونها دمشق وساحة الأمويِّين وباب توما ودُمَّر وقاسيُّون والجامع الأموي الكبير وسوق الحميديَّة ونهر بردى وساحة السَّبع بحرات وقصر أسعد باشا العظم وكنيسة حنانيا وقلعة دمشق وشارع بلال الحبشي أراها وكأنَّنا، أنت وأنا هناك، كما كُنَّا في الاندلس في جامع قرطبة وقصر الحمراء في غرناطة وساحات أشبيلية.. 

قد يهمّكم أيضا..
featured

لكل عملة وجهان

featured

محمد أبو اصبع زيتونة وطنية مخلص لحزبه وطريقه

featured

هل لنا عودة للماضي الجميل؟

featured

ليكن عام عدالة، مساواة وحرية

featured

"روحية ادريس"

featured

مأزق الميزانية

featured

الجبهة تنطلق نحو نصر مؤزر..