في أكثر من مرة سُئلت لماذا لا يكتب الحزب تاريخه، وأنا أقول ان التاريخ يصنعه الأشخاص. وكتاب موسى ناصيف هو جزء من هذا التاريخ.
واليوم الكثيرون يكتبون عبر الفيس بوك أو يرسلون رسائل نصية والتي قد تمّحي بسرعة من الذاكرة، لكن الكتاب هو رسالة للشباب والأجيال القادمة من اجل ان يتعرفوا على ما صنعه الحزب على امتداد السنوات ولكي يستخلصوا العبر والدروس.
وعندما ألفت كتابي "حياة حمراء" والذي كرسته للشباب، فقد اتصلوا بي في الساعة الثانية بعد منتصف ليل يوم سبت، لكي يتحدثوا عن الكتاب، وها أنا قد تسلمت بعد وقت ما مكالمة ليلية من موسى الذي عمل في الليالي وكان يستمع إلى المذياع وفورًا رد على الرسالة، فهو كان يقظًا بكل ما هو متعلق بالحزب.
والآن اقتبس أقوالا منه عندما سألوه عن فرع حيفا: "فرع حيفا، كما اذكره أنا كان دائمًا أمميًا".
بيتي الأول كان بيت أم توفيق، بيتًا دافئًا. وأنا أتذكر ابتسامتها نحو الأولاد والحفدة. فهي اهتمت جدًا بالرفاق الذين لم يكن لديهم بيت أو عائلة.
أنا أتذكر جبرا نقولا الذي ثقف شبيبة كثيرة بروح الماركسية اللينينية في فرع حيفا وكذلك زوجته التي كانت لنا بمثابة الأخت والمضيفة وتهتم بالرفاق لدرجة انها كانت تأخذ منهم ملابسهم لتغسلها.
أنا أتذكر بنينة فينهاوز الناشطة دائمًا، وكذلك تسيله ومالكه ونيسم الذين كانوا في وادي النسناس وساعدوا في كل أمر. أخوّة الشعوب كانت تجري في الدماء ورفضنا كل توجه طائفي، ديني وقومي.
في سنوات الأربعين أثرت علي مواقف الرفاق من عصبة التحرر القومي الذين نشطوا في نادي "النور والأمل" حيث جاء إليه شباب كثيرون للاستماع عن الاتحاد السوفييتي وكفاحه ضد الوحش النازي. وبعدما قرأت لأول مرة جريدة "الاتحاد" فقد تفتحت عيناي لمعرفة القوى المتطورة التي تناضل من اجل المساواة وتحرير العالم من الفاشية.
في حيفا التي صدرت فيها جريدة الاتحاد عملنا لتثقيف الشبيبة العربية على الفكر المتطور وكثيرون أصبحوا فيما بعد قادة في عصبة التحرر الوطني وكان بينهم فؤاد خوري.
بعد الـ 48 دافعت الاتحاد عن المواطنين العرب الذين بقوا في حيفا وبمساعدة رفاقنا اليهود منعنا دخول جنود يهود مسرحين من الجيش إلى بيوت العرب. وأنا اذكر نشاط عصام العباسي، توفيق طوبي ويوسف عبدو الذين ساعدوا في إقامة التعاونية الحيفاوية، التي وزعت الغذاء حسب النقط. واهتمت بتوزيع المؤن للعرب ولمحاربة السوق السوداء، وكذلك دور مهم كان لمطعم "قوت الكادحين" حيث اهتم بالذين لم تكن لهم عائلة وباع الطعام للعمال الفقراء.
اهتممنا بالرفاق الذين حرروا من معتقل أبو عجيلة، علي عاشور، عودة الأشهب ومحمد خاص – الذين وجهت إليهم تهمة المطالبة بدولتين للشعبين.
وأنا أتذكر كذلك توزيع منشورات في الجليل ضد زعماء الدول العربية وضد "جيش الإنقاذ" لفوزي القاوقجي، وقد طالبنا الفلسطينيين بالعمل على إقامة دولتين والقبول بقرارات الأمم المتحدة.
من يستطيع ان ينسى سنوات الخمسين عندما انتخبت تسيله عيرام عضوا للمجلس البلدي وزلم "المباي" أرادوا منع انتخاب شيوعية في البلدية. وحدثت شجارات بجانب صناديق الاقتراع، وخلالها تم الاعتداء على توفيق وجورج طوبي وكذلك المحامي حنا نقارة أصيب بجروح، ولكننا نجحنا بإدخال أول شيوعية إلى المجلس البلدي. من المهم الحديث اننا منعنا محاولة لإقامة وحدة عسكرية – مسيحية في الجيش الإسرائيلي والذين تسجلوا لذلك قاطعناهم سياسيًا واجتماعيًا.
عداوة كبيرة بثها أبا حوشي – رئيس البلدية والموغي – سكرتير نقابة عمال حيفا ضد الحزب الشيوعي والعرب خاصة. "عصابات هبوعيل" هاجمت نوادي الحزب والشبيبة في المظاهرات، من اجل إضعاف تأثيرهم وخاصة في أوساط العرب. في الليالي كنا ننام في النوادي للمحافظة عليها وحمايتها من قبل عصابات أبا حوشي وحلفائهم من العرب.
اذكر مظاهرة حيث القادمون من المغرب هاجمونا فيها، لكن الأمر لم يمنع الشيوعيين للدفاع عن حقوقهم عندما كانوا يقومون بالمظاهرات.
يوجد لنا تاريخ مشرف ويجب الحفاظ عليه.
(الكلمة في حفل تكريم الرفيق موسى ناصيف)
