لقد صرّح مَعاذ الخطيب: زيارة موسكو مؤجّلة حتى نرى كيف ستتقدّم الأمور!
وكأنّ الخطيب سيصعد إلى المئذنة/برج المراقبة كي يراقب تقدّم الأمور في مساره! وليترك محرّك الأمور يحرّكها لتقارب توقّعاته!
يدلّ إعلان مَعاذ الخطيب، "رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض"، عن تأجيل زيارته للولايات المتّحدة وروسيا، على أنّه لا زال يعيش مرحلة الأزمة الأولى، التي فيها ينفصل اللامبالي عن أزمته ويحاول أن ينأى بنفسه عنها.
يظهر أنّ للخطيب متّسعًا من الوقت لتأجيل مواجهة الأزمة، والدخول في محادثات جدّيّة من شأنها أن تبحث في إنهائها!
من الواضح أنّ ردّ الخطيب هو ردّ انفعاليّ، ينمّ عن خوف من تعليمات أمريكيّة جديدة، وعن غضب من موقف موسكو الثابت.
لقد أدخل الخطيب نفسه في متاهات الشكّ بقدراته وكفاءاته، والتردّد في خطواته، والفزع من دقّ الأخضر الإبراهيمي، المبعوث الدوليّ إلى سوريا، نواقيس الخطر لمجلس الأمن، ومن تحميل الأطراف مسؤوليّة تدمير سوريا، و الرعب من صمود النظام، والاشمئزاز من مواقف دول صديقة!
ما الذي دفع الخطيب إلى الهروب من موسكو؟ وإلى الهجوم على لافروف، وزير الخارجيّة الروسيّ ؟ وإلى الذعر والهلع من الحوار؟!
هل هو الفراغ والعجز، أم عدم الشعور بالألم والخوف من الأزمة وإسقاطاتها؟
لا يوجد في العالم مؤسّسة أو هيئة أو شخص يستطيع أن يمنع الأزمة. لأن الأزمة هي جزء عضويّ لا يتجزّأ من الحياة، وهي مسبّبة للألم ودافعة للمواجهة، لكنّ العاجز عن مواجهتها، تقتصر محاولاته على منعها، وهذا عجز.
من البديهيّ أنّ المواجهة تُكسب أدوات وآليات، وتغيّر المقاربة والتوجّه، وتساعد على النموّ والتطوّر.
إن كان الخطيب جادًّا، فعليه أن ينتقل إلى المرحلة الثانية من الأزمة، التي تتطلّب تحديث القوى وتطويرها، والارتقاء إلى مرتبة القول: أنا مستعدّ أن أوقف لغة اللوم والاتهام والانتقاد، وأن أفكّر مجدَّدًا في الحلول المطروحة، وأن أبحث عن حلول جديدة، وعن تشخيص الانتكاسات و...والانطلاق نحو الحياة الجديدة بوجهة نظر جديدة.
مَن يستخفّ بالحزب الشيوعيّ الروسي، أعتبره فاقدًا للتوازن النفسيّ مع الواقع؛ فبيانات الحزب الشيوعيّ الروسيّ الواسع الاطّلاع، هي دعوة لإعادة التأمّل والتفكير والمراجعة.
لقد حدّد الحزب في الأسبوع الماضي، في مؤتمره الـ 15: أنّ الغرب بالذات هو صاحب المصلحة، وهو الذي يبذل كافّة الجهود لإزاحة النظام السوري، وانّ ما يحدث في سوريا ليس صراعًا داخليّا؛ بل عدوانًا صريحًا، غير أنّه لا يجري بواسطة جيوش الناتو، ولكن بقوّاتهم المساعدة، إنّها حرب استعماريّة من نوع جديد، تخوضها عصابات مرتزقة ومأجورون تمّ تجنيدهم من دول الشرق الأوسط. وتعمل الأجهزة الخاصة الغربيّة، عبر حلفائها في الشرق الأوسط على تمويلهم وتدريبهم وإمدادهم بالسلاح، ويظهر الغرب نفاقا منقطع النظير، إذ يصرح في العلن عن ضرورة المكافحة الحاسمة للإرهاب الدولي، بينما في الواقع يستخدم أشدّ المنظمات الإرهابية البغيضة حقارة لتدمير سوريا وشعبها.
تيم واينر، مراسل للنيويورك تايمز، كان غطّى أخبار الاستخبارات الأمريكيّة والأمن الدوليّ طوال الـ 20 سنة،كتب في كتابه: "جاء في وثيقة وزارة الدفاع التي كشف عنها في 2003: يجب جعل سوريا أن تبدو كأنّها راعية المؤامرات، والتخريب، والعنف الموجّه ضدّ الحكومات المجاورة، وعلى "السي آي إيه" والاستخبارات السرّيّة البريطانيّة أن تختلق مؤامرات وطنيّة ونشاطات متشدّدة مختلفة في العراق، ولبنان، والأردن، ووضع اللوم فيها على سوريا. وسيعمل جهازا الاستخبارات، الأمريكيّ والبريطانيّ، على تشكيل فئات شبه عسكريّة، وإثارة التمرّدات لدى "الإخوان المسلمين" في دمشق... وستستخدم اشتباكات حدوديّة تفتعلها الاستخبارات الأمريكيّة والبريطانيّة ذريعة؛ كي تقوم جيوش الدول الموالية للغرب بعمليّة اجتياح، وسينصّب الجهازان نظاما جديدا يعتمد على الإجراءات القمعيّة والاستبداديّة في ممارسة السلطة". (إرث من الرماد، الطبعة الأولى 2010 صفحة195- 196).
