"أيا وطني إن خان عهدك خائن فأنا على عهدي القديم أمين"

single

صورة للصفحة الأولى من العدد الأول لجريدة "الصباح"



*كامل البديري أحد رواد الصحافة والكفاح المسلح في فلسطين

*اغتيل عام 1923 أثناء رحلة لجمع السلاح في الجزيرة العربية



ساهم في تحرير جريدة "الصباح" جمال الحسيني الذي كان يوقع المقالات التي تظهر باسمه في الجريدة ويضيف منصبه في ذلك الوقت "سكرتير اللجنة التنفيذية للمؤتمر العربي الفلسطيني الرابع"، وهاني أبو مصلح، وهو مثقف لبناني من منطقة الشوف في جبل لبنان عمل في الصحافة والتدريس في فلسطين (وفقًا لمعجم المؤلفين المعاصرين، صفحة 816) وكان محسوبًا على الملك فيصل ابن الشريف حسين والحركة الوطنية العربية التي أيدت الثورة العربية على الأتراك. موّل كامل البديري إصدار جريدة "الصباح" وصرف عليها من ماله الخاص، إلى جانب اعتماده على الإعلانات التجارية المنشورة في أعداد الجريدة منها على سبيل المثال لا الحصر إعلان شركة سيارات دودج الأميركية عن "تنزيلات جوهرية في أسعار كل أتوموبيلاتها"، وإعلان آخر عن صدور كتاب "المختصر في التاريخ" تأليف حسين أفندي روحي، مفتش المعارف بفلسطين، ووفقًا للإعلان كان الكتاب مقررًا ضمن مواد السنة الثانية الابتدائية طبقًا لمنهج دائرة المعارف العمومية بفلسطين.
في افتتاحية العدد الأول من جريدة "الصباح" كتب كامل البديري ما يلي:
"قطعنا مراحل هذا الدهر - ومن كتبت عليه خطى مشاها - حتى إذا بلغ بنا المدى مرحلتنا الحاضرة، وقفنا قبيل الحرب العامة نرتب لنا عراكًا جديدًا نثبت به حقنا في هذا الوجود بما أوتينا من استعداد كامن في النفوس ففاجأتنا حرب الأمم العامة قبل أن تزوّد العدة اللازمة لمثل هذه الملاحم الجسام، ولكن الأقدار تفعل ما تشاء وتختار. دخلنا الحرب في صف الحلفاء بعد أن قطعوا لنا العهود وعظموا المواثيق وغلظوا الإيمان في كتب مسطورة والناس شهود حتى قضوا وطرهم من الحرب.
نقضوا العهود فلا عهود وأوضحت أطماعهم فعهودهم تضليل
فاكتسحوا بلادنا، وفرقوا جامعتنا وفصموا عروة وحدتنا
لقد قسمونا لا إلى اثنين نصفة ولكن إلى خمس فخمس إلى عشر
فبغداد في قُطر ومكة وحدها وعكاء في قُطر وصيدا في قُطر".
وهزأ كامل من وضع الأقطار العربية تحت الانتدابين الإنجليزي والفرنسي بحجة  "الأخذ بيدنا حتى نبلغ الرشد ونصلح لحكم أنفسنا! شكرًا ثم شكرًا ثم شكرًا! البلاد بلادنا... وهي التي ندافع عن استقلالها ووحدتها بكل وسائل الدفاع المشروع ونصدر هذه الجريدة مستعينين بالله للدفاع عن هذه القضية الحق والجهاد في سبيل هذه الأمة حتى نبلى بأنفسنا عذرًا".
ويحاول كامل البديري في مقاله التحدث بلهجة ديبلوماسية شبيهة بلهجة الزعماء والقادة في الأقطار العربية في تلك الفترة الذين وَثِقوا ببريطانيا واعتبروها صديقة للعرب وقد تمنحهم الاستقلال وتفي بوعودها لهم مثلما فعلت بتعيين فيصل الأول ملكًا على العراق في 31 آب/أغسطس 1921، فقال "نُقْدِم على هذا الجهاد الشاق والصعاب جمة ونحن لما نقطع حبل الرجاء كله من حليفة العرب بريطانيا العظمى وعلى الأخص بعد ما لمع بارق وفائها في العراق فعسى ذلك البرق يبعث سحبه فيدر غيثه على أرجاء فلسطين فيروي غرسها بعد الذبول. فما بارق العراق اليوم غير نتيجة عهد سابق كان لفلسطين شبيه له وهي لا تزال تطلب من بريطانيا العظمى الوفاء به".
تصدرت أخبار المؤتمر العربي الفلسطيني ونشاطاته صفحات جريدة "الصباح" ومنها أخبار النشاطات التي قام بها الوفد الممثل للمؤتمر الذي زار بريطانيا ودولًا أوروبية أخرى.
وتضمن العدد زاوية بعنوان "أقوال الجرائد" العبرية منها جريدة "هآرتس" وجريدة "دوأر هايوم"، ما يعني أن الحركة الوطنية الفلسطينية لم تكن غافلة عن نشاطات الحركة الصهيونية وغيرها من أخبار الجاليات اليهودية في أوروبا التي سعت الحركة الصهيونية لتهجيرها إلى فلسطين. ونقلت جريدة "الصباح" عن جريدة "دوأر هيوم" خبرًا عن المعاملة السيئة التي لقيها اليهود في بولندا والنداء الذي وجهه رئيس وزرائها في حينه المدعو فينسنتي فيتوس إلى الفلاحين البولنديين طالبًا منهم معاقبة اليهود الذين اتُهموا بأنهم جرّوا المصائب على بولندا ومن جملتها إسقاط قيمة العملة البولندية، فعلّقت جريدة "الصباح" على الخبر قائلة  "إذا كانت هذه أعمالهم في بولونيا فماذا يعملون معنا غدًا إذا كثروا ولعل فخامة المندوب السامي والمستر تشرشل يقفان سدًا دون أعمالهم".
إلى جانب أخبار الوفد ونشاطات المؤتمر العربي الفلسطيني الأخرى احتوت أعداد جريدة "الصباح" على مجموعة من الأخبار المحلية منها خبر بعنوان "تأجيل محكمة" نشر في عددها رقم 11 من تاريخ 19 تشرين الثاني/نوفمبر 1921 جاء فيه  "كان يوم أمس الجمعة موعد محاكمة متهمي اليهود في حوادث 2 تشرين الثاني وقد أجِّلت المحاكمة يوم الأثنين بدعوى تحضير أوراق اتهامهم أما المتهمون من الوطنيين فقد كانت شهودهم وراءهم لم تحتج أوراقهم لتحضير ولا ترتيب ولذلك أودعوا السجن وحكموا بما تشاء الحكومة ولا بد لهذا الليل من فجر".
واحتوت بالإضافة إلى ذلك أخبار سياسية عربية وعالمية من تلك الفترة، ومنها أخبار مؤتمرات الصلح التي تواصل انعقادها في أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى لتسوية النزاعات بين مختلف الدول الأوروبية وغيرها من الأخبار.
ولا تخلو جريدة "الصباح" من نقاشات أو جدل بين هيئة تحريرها ومؤسسات مختلفة في البلد، مثل المحكمة الشرعية في القدس واعتراض "الصباح" على طريقة عملها. فمن بين الوثائق التي تم الاطلاع عليها لمقتضيات ورقة البحث هذه رسالة بخط اليد تحمل تاريخ 7 كانون الثاني/ديسمبر 1922 من محيي الدين عبدالشافي، مأمور أوقاف غزة ووالد الدكتور حيدر عبدالشافي، إلى كامل البديري أرفق بها محيي الدين مقالًا بقلمه ردًا على مقال نشرته جريدة "الصباح" حول الأوقاف والمحاكم الشرعية الإسلامية فيما يلي نصها:
"أخي الشهم الغيور!
لك الله من شهم جريء في خدمة الأمة والوطن والدين فقد كان لكلمتكم المدرجة في أحد أعداد جريدتكم الصباح المتعلقة بالأوقاف والمحاكم الشرعية وقع حسن من النفوس فرأيت أن آتيكم بكلمة أخرى تؤيد مقصدكم السامي في المحافظة على حقوق الأمة في هذه المسألة والانتباه لانتخاب الأكفاء الذين سيكون عملهم وإن أحسنوا، برهانًا على استعداد الأمة لإدارة شؤونها بنفسها ولئن انعكس علينا الموضوع (لا سمح الله) وتركنا الناس ينتخبون من يشاؤون بدون التفات لمكانتهم من الكفاءة والأهلية نكون بسكوتنا (على علم منا بخطأهم) جبناء عن خدمة الحق والأمة وعرّضنا أمتنا لسخرية الأمم التي ترمقنا الآن بعين المترقب لما نعمل وهل نحسن صنعًا في شؤوننا الخاصة بنا.
لذلك أرجو درجها  بأول عدد يصدر من الجريدة الغراء حتى ننبه الهيئة الإسلامية لمجريات الانتخاب وقد أزف وقته.
على كل حال أسلفكم شكرًا مقرونًا باحترام مبادئكم العالية.
7 كانون الثاني 1922
محيي الدين عبدالشافي
مأمور أوقاف غزة".

كما أثارت جريدة "الصباح" بصفتها ممثلة للمؤتمر العربي الفلسطيني جدلًا سياسيًا على الساحة المحلية. فعلى سبيل المثال انتقد نجيب نصار صاحب جريدة "الكرمل" التي كانت تصدر في حيفا تركيبة الوفد الذي أرسله المؤتمر إلى أوروبا واقترح أن يضم إلى جانب السياسيين عددًا من الكتاب والصحافيين والمترجمين الذين يجيدون اللغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية والإيطالية، فأثنت "الصباح" على دعوة نجيب نصار وكالت له المديح وقالت  "من لا يعترف بفضله ومكانته... وكيف لا وهو صاحب الكرمل القائل في محمد بن عبدالله وفي القضية العربية ما قال ومن في هذه الأمة يسابق نصار في مقاومة الصهيونية في هذه البلاد وأول حجاب على مُخبئاتها في فلسطين رُفع بيديه المباركتين"، لكنها اعتذرت باسم المؤتمر عن قصر ذات اليد في تشكيل الوفد الذي كان يرغب به نصار وأشارت إلى حملة التبرعات التي أطلقتها الجريدة لتمويل سفر الوفد وتحركاته في أوروبا.
ولفت الانتباه أن جريدة "الصباح" تميزت بنَفَس تقدُمي على الصعيد الاجتماعي واتخذت موقفًا منفتحًا من قضية المرأة والدفاع عن حقوقها. ففي عددها الـ11 من تاريخ 19 تشرين الثاني/نوفمبر 1921 نشرت "الصباح" في رأس الصفحة الأولى رسالة احتجاج من مجموعة سيدات فلسطينيات استأن من مقال نشر في العدد السابق للجريدة يدعو لجمع التبرعات للأعمال الوطنية، حيث قالت الرسالة  "استغربنا جدًا استثناءكم في اقتراحكم النساء من التبرع كأنكم تحسبونهن لا يشعرن بما تشعر به الأمة كلها من الخطر الهائل المحدق بالبلاد ولا يبالين بما يقلق آباءهن وأبناءهن وإخوانهن من المصيبة العامة". وأضافت الرسالة "فإن كنتم تظنون ذلك فقد أخطأتم الصواب فإن النساء في هذه البلاد يشعرن بالحالة كما هي ويقمن بالواجب عليهن ويبذلن كل نفيس في سبيل البلاد ويفدين أرواحهن لسلامتها وأنهم سيَشْرَعْن في تأليف لجنة تَشْرَع في جمع المال وتنفيذ اقتراحكم السديد وإثبات القول بالعمل بالقريب العاجل".
وردًا على هذه الرسالة اعتذرت هيئة تحرير "الصباح" عن ما  "فرط منا من تقصير عن غير قصد وإننا في طليعة الذين يقدسون حقوق المرأة ويحترمونها وما كان ما كتبناه غير سهو أو خطأ نرجع عنه ونستغفر لسيداتنا منه وهم أحق الناس بقبول المعذرة وغفران الخطيئات. إذ من ذا الذي يستطيع أن ينكر عواطف المرأة ولا يقدرها حق قدرها".
فهذه الكلمات كتبت قبل حوالي قرن من الزمن، وهي تعطي صورة عن الانفتاح الذي ميّز الطبقة السياسية في فلسطين في تلك الفترة الحرجة من تاريخها ونظرتها إلى المرأة وإبراز دورها. وفي الأسبوع التالي أعلنت "الصباح" أن السيدات تفوقن على الرجال في جمع التبرعات لدعم المؤتمر العربي الفلسطيني ووفده إلى أوروبا.
في عددها الصادر في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1921 نشر كامل البديري في جريدة "الصباح" مقالًا على عرض  الصفحة الأولى ضد وعد بلفور وتصور كيف سيكون حال فلسطين لو أنه لم يصدر هذا الوعد، وذيّل المقال بقصيدة ختمها بالبيتين التاليين:

أيا وطني إن خان عهدك خائن
فأنا على عهدي القديم أمين
ويا وطني لإن مت فالحب لم يزل
معي وبقبري في التراب دفين
(يتبع)





صورة عن رسالة محيي الدين عبدالشافي إلى كامل البديري

قد يهمّكم أيضا..
featured

غطاس يوسف غطاس حث الأجيال على العلم والمعرفة فنال احترامها جيلا تلو الجيل

featured

لماذا الصين مهمة بتحسين الحوكمة العالمية؟

featured

فرسان الورق أمام مملكة يهودا

featured

"الاتحاد" صوت يوم الأرض وصداه

featured

"أراك ... ما زلت معي... إلى جانبي"

featured

الأزمة الفلسطينية أزمة عربية (2)

featured

الشباب وسلطة 30 يونيو

featured

"لا لمحاكم التفتيش"