الأزمة الفلسطينية أزمة عربية (2)

single

هذا الحوار الداخلي الفلسطيني جاءت بعده حرب تشرين/ أكتوبر 1973، ليبرز الخطر الأكبر على الحقوق الوطنية الفلسطينية، عندما تمت الدعوة إلى مؤتمر جنيف برعاية الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية، وقد دُعيت إلى مؤتمر جنيف أربع دول فقط، هي مصر وسورية والأردن واسرائيل، مع شطب حضور المقاومة الفلسطينية ومنظمة التحرير الائتلافية والشعب الفلسطيني. وبات واضحاً أن المطروح هو حل إقليمي عربي ـ إسرائيلي؛ العودة إلى حدود 1967، وإبعاد الشعب عن قضيته، ومصادرة حقوقه الوطنية القائمة بذاتها، أي تقرير المصير والحرية والاستقلال والعودة، ليواصل أخذ أموره بيده. وبعد إنجاز هذه العملية، تُطرح مرحلة جديدة تقوم على الحل الشامل، الديمقراطي والعادل، في دولة ديمقراطية موحدة، على كامل أرض فلسطين التاريخية؛ ومن بحرها إلى نهرها، ولكل مواطنيها من الفلسطينيين العرب والإسرائيليين اليهود (راجع كتاب "أزمة المقاومة الفلسطينية" الصادرة عن الجبهة الديمقراطية ـ دار الطليعة/ بيروت 1969). وفي حينه؛ أصبح واضحاً ضرورة دفع هذه الرؤية إلى الأمام بكل الوسائل السياسية والجماهيرية والحوار الفكري، وأيضاً عبر العمليات المسلحة النوعية، ونذكر جميعاً العملية الشهيرة "معلوت ـ ترشيحا" في أيار/ مايو 1974، والتي خاضتها وحدة من الجبهة الديمقراطية، وأدت إلى أسر مجموعة من (شبيبة جدناع) العسكرية الصهيونية في ترشيحا، وقد طرحت المجموعة الفدائية (مجموعة الشهيد كمال ناصر) مقايضة، بفك أسر (شبيبة جدناع) مقابل إطلاق سراح 27 أسيراً فلسطينياً، في مقدمتهم عمر القاسم، منديلا فلسطين؛ والمعلم الكبير في الحركة الأسيرة، الذي لازالت الكتابات تدور حوله في كل عام، وهي دارت هذا العام بمناسبة الذكرى العشرين لاستشهاده في سجون الاحتلال، بعد 27 عاماً من أسره. إضافة إلى المطران هيلاريون كبوتشي وبقية القائمة. لماذا العدد 27؟ لأنه مقابل مرور 27 عاماً على النكبة، أي أنها عملية مرموزة بسنوات النكبة، وقد انعقد المجلس الوطني لمنظمة التحرير في حزيران/ يونيو ـ وهذه العملية حصلت في أيار؛ وبالتحديد في 15 أيار/ مايو؛ أي يوم النكبة ـ حيث وجّه المقاومون رسالة إلى المجلس (المجموعة الفدائية التي استشهدت)، كما استشهد عنوان عمليتها قبل ذلك التاريخ؛ الشهيد والشاعر الصديق كمال ناصر وإخوانه أبو يوسف النجار وكمال عدوان في فردان، وخمسة من الجبهة الديمقراطية في الفاكهاني/ بيروت بذات اليوم على يد وحدات إسرائيلية واحدة بقيادة ايهود باراك والأخرى بقيادة الجنرال اسحق شاحاك (1973) ـ وتمت تلاوة رسالة شهداء عملية الشهيد كمال ناصر، التي خاطبت المجلس الوطني بضرورة تبني البرنامج السياسي الجديد. وفعلاً؛ وقف المجلس الوطني تصفيقاً بالإجماع لهؤلاء الشهداء، وتمَّ إقرار هذا البرنامج بالإجماع، من جميع الفصائل بلا استثناء، ومن كل الشخصيات السياسية، ما عدا شخصيتين: الشاعر يوسف الخطيب؛ وعضو المجلس الثوري لفتح ناجي علّوش.
جميع فصائل المقاومة والاتحادات النقابية والشعبية واتحاد المرأة والشخصيات المستقلة وافقت بدون استثناء وبدون تحفظ. بعدها؛ عادت التدخلات العربية من جديد، وتدخلت الصراعات العربية ـ العربية، وتشكلت جبهة رفض للبرنامج المرحلي الجديد من بعض القوى الفلسطينية بزعامة حاكمي العراق حينذاك، أحمد حسن البكر وصدّام حسين؛ وبتمويل ليبي. بالمقابل؛ هذا البرنامج المرحلي دخل في صراع جديد مع مؤتمر جنيف. ورعاته؛ فالدول الأربعة المدعوة للمؤتمر كانت ضد تمثيل الشعب الفلسطيني في منظمة التحرير الفلسطينية والمقاومة الفلسطينية، والمشطوب الحقيقي من الدعوة كان الشعب الفلسطيني.


وهذا الصراع أيضاً أخذ مداه، فكنّا نخوض صراعاً على جبهتين؛ واحدة مع قوى الرفض بالشعارات والدول التي تتزعمها؛ وجبهة أخرى مع الدول العربية و"الثنائية" الدولية الداعية لمؤتمر جنيف، وعلى الضفة الأخرى تكثيف وتطوير العمليات النوعية المسلحة ضد قوات العدو في عمق فلسطين. وهكذا انشق الطريق أمام شعبنا بأفق يمكّنه فعلاً من تحقيق أهدافه؛ وكانت المعركة الكبرى، الفكرية والسياسية والجماهيرية، التي أدّت إلى تطوير النقاط العشر، والتي اتخذت عنوان البرنامج الوطني المرحلي عام 1979، عندما تفككت جبهة الرفض الفلسطينية، بعد أن عقدت سورية والعراق الميثاق القومي الشهير؛ وكنا هنا ـ في دمشق ـ في دورة المجلس المركزي ودورة المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية، بقاعة اتحاد نقابات العمال السورية؛ وقد علّقت أعمال المجلس الوطني لثلاثة أيام؛ وكنا قد وحدّنا مجموعة من القوى من أجل الإصلاح التنظيمي والائتلافي الديمقراطي في منظمة التحرير. وكان هناك موقفٌ موحدٌ ومشتركٌ لفريق من "فتح" ممثلاً بأبو إياد وإخوانه ( أبو جهاد وآخرين)، والجبهة الديمقراطية و"الصاعقة" والجبهة الشعبية، من أجل الإصلاح الحقيقي لمنظمة التحرير الفلسطينية. وكنا متفقين على أنه حان وقت الإصلاح والتطوير، مع شيء من الديمقراطية، ومحاولة تطوير عملية تشكيل اللجنة التنفيذية، مع إنشاء حلقة وسيطة بين اللجنة التنفيذية والمجلس الوطني، على أساس ائتلاف وطني عريض، أو جبهة وطنية عريضة. وتتشكل لجنة تنفيذية للمنظمة من رئيس: "أبو عمار"، وثلاثة نوّاب للرئيس: واحد من "الديمقراطية"؛ والثاني من "الصاعقة"؛ والثالث من "الجبهة الشعبية"؛ رغم أن الجبهة الشعبية كانت ما تزال في إطار جبهة الرفض، لنُشكل قيادة مركزية، أخذت فيما بعد اسم: "المجلس المركزي"، بين المجلس الوطني واللجنة التنفيذية، لتكون اللجنة تحت مراقبة ومحاسبة هذه الحلقة الوسيطة، لأن إمكانية عقد المجلس الوطني الفلسطيني على الطريقة البرلمانية لم تكن متوفرة؛ فكان المجلس الوطني يجتمع خلال سنة واحدة مرتين أحياناً، وقد يبقى عشر سنوات بدون انعقاد! وتعلمون أن المجلس الوطني لم ينعقد منذ عام 1991، باستثناء دورة انقسامية عقدت عام 1996 في غزة لتمرير اتفاق أوسلو وتداعياته، حيث رفض أبو عمار ما كنّا اتفقنا عليه.
وقد افتعل أبو عمار ما افتعل، مستخدماً دم الشهيد علي حسن سلامة (أبو حسن سلامة) الذي استشهد أثناء الدورة في عملية عدوانية إسرائيلية في قلب بيروت؛ وعطل أعمال المجلس الوطني لثلاثة أيام. في هذا السياق، تم استدعاء الرفاق: زهير محسن وسامي عطاري وعصام القاضي من الصاعقة، وعبد الرحيم أحمد أمين عام جبهة التحرير العربية (بعث العراق)، وأحمد جبريل وطلال ناجي وفضل شرورو من القيادة العامة إلى مبنى وزارة الخارجية السورية، وكان عبد الحليم خدام مجتمعاً مع طارق عزيز؛ وقد طلب الوزيران من تلك الفصائل ـ "الصاعقة، جبهة التحرير العربية، القيادة العامة" ـ أن تفكك أي ارتباط بما كنا اتفقنا عليه معها. (ذكرت هذا أيضاً في كتابي "حواتمة يتحدث" 1997 ـ دار الكاتب/ دمشق، ودار الجليل/ عمّان). وفي هذا الإطار، الصاعقة تفك الارتباط معنا، لأن جبهة التحرير العربية والقيادة العامة وإخوتنا في الجبهة الشعبية كانوا في جبهة الرفض، مع آخرين. وأضافا ـ الوزيران ـ ما كان بين سورية والعراق قد تم حلّه؛ وبالتالي بيننا الآن ميثاق قومي. وعليه؛ ما ارتبطت به "الصاعقة" مع آخرين من "فتح" و"الجبهة الديمقراطية" يتم إلغاؤه. وأيضاً، يتم حل جبهة الرفض، التي لم يعد لها ضرورة؛ وطلبا من الفصائل الثلاثة أن تعود إلى المجلس الوطني، وتدخل إلى قاعة المجلس الوطني، وتبايع الأخ ياسر عرفات. وفعلاً؛ دخلت هذه الفصائل؛ وألقى الشهيد زهير محسن ـ غفر الله له ـ كلمة بايع فيها أبو عمار رئيساً من جديد؛ وبقيت أنا وجورج حبش فقط خارج القاعة، ومعنا وفدا الجبهة الديمقراطية والشعبية. ودبكت كل حركة "فتح"؛ من يمينها إلى يسارها "غلاّبة فتح، فتح ثورة على الأعادي"! ومن هم الأعادي في هذه الحالة، ليس الاستعمار الأميركي، واسرائيل الصهيونية التوسعية، والأنظمة العربية التي تتدخل سياسياً ومادياً ومالياً في المعادلة الفلسطينية، لدفعها نحو اليمين والالتحاق بهذا المحور العربي أو ذاك؛ بل القوى الفلسطينية الشقيقة، التي ناضلت وجاهدت من أجل وضع أُفق أمام الشعب الفلسطيني، من أجل تطبيق الإصلاح والتطوير الديمقراطي في منظمة التحرير الفلسطينية.

 

// حدث هذا في الدورة الخامسة عشرة

عند ذاك وقع الذي وقع، وتمّ حلّ جبهة الرفض، دون أن يصدر عن هذه الجبهة أيّ إعلان إلى يومنا هذا، يفسّر: لماذا تشكلت ولماذا انفرطت ؟!
وقد أخذ البرنامج السياسي لمنظمة التحرير آنذاك عنوان البرنامج الوطني المرحلي، ومرةً أخرى، يتّضح من خلال النضالات التي جرت ما بين عام 1974 وعام 1979، أن الأفق أمام القضية الفلسطينية، سياسة ومقاومة، وطنياً وقومياً ودينياً (بكل ألوان الطيّف الديني)، هو الممرّ الضروريّ، الوطنيّ والقوميّ والإنساني، الأممي والدولي، لتحشيد كافة الطاقات إلى جانب النضال الوطني الفلسطيني؛ وهذا هو البرنامج الوطني المرحلي، المبنيّ على النقاط العشر منذ عام 1974؛ حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وبذلك تحلّ مشكلة التجمعات الفلسطينية، وتلبي حقوقها بأن تقرّر مصيرها بنفسها؛ بدءاً من أبناء شعبنا داخل أراضي 1948 إلى كافة أماكن تواجده الأخرى؛ دولة فلسطينية مستقلة، وعاصمتها القدس العربية المحتلة، لحل مشكلة شعبنا تحت الاحتلال أوالاستعمار الاستيطاني في القدس والضفة وقطاع غزة، وهناك بالطبع حق العودة للاجئين الفلسطينيين. وبالتالي؛ نحن وحدّنا الشعب الفلسطيني لأول مرة، على امتداد الفترة ما بعد 1948 (1974 حتى 1979). نحن شعب واحد؛ لكننا لم نكن شعباً موحّداً، بعد النكبة، والتشطير الذي وزّع شعبنا على أكثر من خمسين بلداً. ولذا مرة أخرى ـ وهنا أختم هذه المسألة ـ بالقول الواضح: هناك من يتكلم بدءاً من سنة 1974 ـ وهذا ليس جديداً ـ بأن تجربة البرنامج الوطني المرحلي لم يتم إنجازها، وأنها دخلت في طريق مسدود؛ بينما الحقيقة أن برنامج النقاط العشر، ثمّ البرنامج الوطني المرحلي، هو الذي أنقذ القضية الفلسطينية والحقوق الوطنية الفلسطينية "تقرير المصير، الدولة، العودة"، والشخصية الوطنية الفلسطينية من خطر الموت السريع؛ بدلاً مما تمّ طرحه بعد حرب تشرين (1973) مباشرة، والقائم على عقد مؤتمر جنيف بين أربع دول، وشطب الشعب الفلسطيني وممثلي هذا الشعب. والصراع يدور منذ عام 1974 بشكل واضح على هذا البرنامج المرحلي، وحتى اليوم: "تقرير مصير، أم لا تقرير مصير"، من قبل الشعب الفلسطيني، عبر ممثله الشرعي والوحيد؛ منظمة التحرير الفلسطينية الائتلافية، التي تضمّ وتجمع كل أطياف وتشكيلات الشعب الفلسطيني، هذا أولاً. ثانياً: دولة مستقلة للشعب الفلسطيني، حاله حال أي شعب من الشعوب تحت الشمس، على حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية المحتلة عام 1967. ثالثاً: عودة اللاجئين، عملاً بالحقّ التاريخي والمقدس والأممي للقرار (194). وكل الصراعات تدور حول هذا المحور، وقد ساندتنا في البداية العديد من قوى التحرر والتقدم العربية والعالمية؛ ثم الاتحاد السوفييتي والصين الشعبية والبلدان الاشتراكية الأخرى؛ فالحركة الثورية العالمية، وشرائح واسعة من الرأي العام داخل أوروبا، وبعض الشرائح داخل الولايات المتحدة. لكن الإدارات الأمريكية ظلّت حتى عام 1993 ترفض الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، وترفض التعامل معها، مع إنكارها أي حق من حقوق شعبنا.
عام 1991 وعشية حرب الخليج الثانية تمت صياغة معادلة أمريكية ـ عربية جديد "مشاركة الدول العربية في حرب الخليج مقابل عقد مؤتمر دولي للسلام مع اسرائيل برعاية الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وعلى أساس قراري مجلس الأمن الدولي 242، 338، وتتم المشاركة الفلسطينية بوفد من الضفة وقطاع غزة فقط في إطار وفد مشترك أردني ـ فلسطيني، لا أحد من القدس، لا أحد من الشتات، ولا علاقة له بمنظمة التحرير (شروط شامير). تدخلت الدول العربية مع عرفات للنزول عند هذه الشروط، وهذا ما كان. كسر عرفات قرار المجلس الوطني لمنظمة التحرير (سبتمبر/ أيلول 1991) بعناصره الستة، واستجاب لضغوط الدول العربية وشروط شامير، هكذا وقع الانقسام السياسي الكبير في منظمة التحرير (راجع كتاب حواتمة "أوسلو والسلام الآخر المتوازن").
عام 1993 جرى التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاقات أوسلو الجزئية، ذهب أبو علاء/ أحمد قريع وشمعون بيريز إلى الولايات المتحدة الأميركية، والتقيا بـ "وارن كريستوفر" وزير الخارجية في كاليفورنيا، في ذلك الوقت، بحضور دنيس روس؛ وطلبا منه موافقة الإدارة الأميركية على اتفاقات أوسلو الجزئية، وإبرازها على أنها إنجازٌ لها. بينما هي في الحقيقة، تمت من دون مشاركة مباشرة من الإدارة الأميركية؛ فضلاً أنها عقدت بإدارة الظهر لكل القوى الفلسطينية، ولقوى التقدم والتحرر العربية، والعديد من الدول العربية، ولأصدقائنا في العالم؛ دولاً وحركات تحرر وطني وقوى تقدمية. بعض الدول العربية كان لديها علمٌ بما يجري في "أوسلو"؛ والإدارة الأمريكية تبنت أوسلو فعلياً. فبعد أقلّ من شهر تقريباً، حصل الاحتفال الشهير في واشنطن (13 أيلول/ سبتمبر 1993)، بالإخراج الهوليودي لهذه الاتفاقات، الجزئية والمجزوءة، والتي أعلنّا في الجبهة الديمقراطية موقفنا منها منذ اللحظة الأولى، وحتى يومنا هذا، بأنها اتفاقات جزئية لن تقود إلى حلول شاملة، وانتقدناها، ودعونا فوراً إلى تجاوزها في مسيرة النضال من أجل إعلان دولة فلسطين المستقلة، على الأراضي المحتلة عام 1967، مع دعوة كل دول العالم إلى مساندتنا في النضال لتحريرها من الاحتلال، أما بالنسبة للعدو، فهو ظلّ يُنكر علينا أننا شعب موجود، له الحق في الوجود، حتى ما بعد عام 2000؛ لأن اتفاقيات أوسلو تعترف فقط بالفلسطينيين، ولا تعترف بشعب فلسطيني. والفلسطينيين تم تحديدهم فقط ـ وفق أوسلو ـ بسكان القدس والضفة الغربية وقطاع غزة. بينما 68% من الشعب الفلسطيني اللاجئ لا يدخل في الحسبان! بقي هذا التصوّر إلى ما بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد الثانية في تموز من العام 2000، بين ياسر عرفات وفريقه وبين ايهود باراك وفريقه، وبدأ الشعب الفلسطيني يستعيد موقعه ودوره مجدداً، في إطار الانتفاضة الفلسطينية الثانية المجيدة، التي قدّمت إنجازاً عملاقاً، كان قد دخل إلى كلّ بيتٍ في العالم؛ في الانتفاضة الأولى، ليتعمّق في الانتفاضة الثانية؛ ومفاده أن لا أفق لإنهاء هذا الصراع إلاّ بالاعتراف بالشعب الفلسطيني، وبممثله الشرعي والوحيد، منظمة التحرير الفلسطينية الائتلافية، والاعتراف بأنه شعبٌ موجود، له الحق في الوجود، كما في تقرير المصير والدولة المستقلة. لكن، كان هناك فريق يقول: حق العودة لكل لاجئ؛ وفريق آخر يقول: حل مشكلة اللاجئين. ومن هنا، علينا أيضاً أن ننظر إلى التطورات اللاحقة، التي جرت بعد كامب ديفيد الثاني، وبعد مقترحات كلينتون في كانون الأول/ ديسمبر من العام 2000، ومباحثات طابا في كانون الثاني/ يناير 2001 (راجع كتاب "أوسلو والسلام الآخر المتوازن").
بعد ذلك، استلمت حكومة شارون الحكم في اسرائيل؛ ومن ثم جاء أولمرت، والآن عاد حكم الليكود المتطرف بزعامة نتنياهو!
إذاً: في سياق هذا المسار التاريخي، أوروبا اعترفت بنا؛ والولايات المتحدة اعترفت بنا. لكن أوروبا تأخرت حتى نهاية الثمانينات، والولايات المتحدة تأخرت إلى ما بعد عام 2000. وقبل ذلك العام، كانت قد اعترفت بوجود فلسطينيين وبمنظمة التحرير؛ لأن اتفاقية أوسلو تم توقيعها من وراء ظهر قوى منظمة التحرير؛ وكانت هذه العملية مقصودة، من أجل مفاضلة الحقوق الفلسطينية "حق تقرير المصير وحق العودة"، لأن اتفاقيات أوسلو (وتداعياتها) تدور فقط في إطار الأراضي المحتلة عام 1967.
فيما بعد؛ اعترف جورج بوش الابن بحق الشعب الفلسطيني بدولة، باسم الإدارة الأمريكية. واعترف بيل كلينتون قبله بحق الشعب الفلسطيني بدولة، في مباحثات كامب ديفيد الثانية. لكنه رفع "الكرت الأصفر" لياسر عرفات، بأن "الإدارة القادمة لن تتبنى مقترحاته؛ إذا لم يقبل بها "عرفات"! ثم رفع "الكرت الأحمر" في وجه عرفات في كانون الأول/ ديسمبر 2000 بأنه "لن يوصي الإدارة القادمة بالبناء على ما توصل إليه من مقترحات؛ وأضاف أنه ـ أي عرفات ـ "لن يكون ضيفاً على البيت الأبيض في الإدارة القادمة" ـ إدارة بوش كانت قد انتخبت ـ وفعلاً؛ هذا الذي حصل مع ياسر عرفات، إلى أن تمت محاصرته في المقاطعة، ورحل مسموماً.
بعد كل ذلك أقول: بوش طرح حق الشعب الفلسطيني بدولة، من موقعه كرئيس للإدارة الأميركية؛ ثم تقدم بمشروع قرار للأمم المتحدة، تمّ تبنيه بالإجماع ما عدا اسرائيل ومكرونيزيا، حول ما سماه بوش إقامة دولتين: دولة اسرائيل ودولة فلسطين، تعيشان جنباً إلى جنب، بأمن وسلام؛ ثم وعد ـ طرح مشروع هذا القرار سنة 2003 ـ أنه حتى حزيران/ يونيو 2005 تكون التسوية السياسية الشاملة، على جبهة الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، قد أُنجزت! كذلك؛ أعلنت خطة الرباعية الدولية في نيسان 2003، التي تحدثت عن أن التسوية السياسية الشاملة ستكون تامة الانجاز في العام 2005. لكن، سقط ذلك كله؛ وجرى عقد مؤتمر أنابوليس، ونتائجه أيضاً تلاشت، لأن الوعود كانت ـ من قبل أكثر من 56 دولة اجتمعت في ذلك المؤتمرـ بأنه تحت سقف نهاية 2008، تكون التسوية السياسية الشاملة قد تمّت، لماذا لم يُنجـز كلّ هذا ؟! ... لأكثر من سبب:
أولاً: لا يدور الحلّ المقترح حول القضايا الرئيسة في البرنامج الوطني المرحلي: القدس، الحدود، المستوطنات، اللاجئون، الأمن، والأسرى. هذا هو جوهر الصراع الدائر منذ عام 1974؛ وإقرار برنامج النقاط العشر، حتى الآن؛ لأن دولة اسرائيل بحكوماتها المتعددة، لم تسلّم، حتى هذه اللحظة، بأن القدس العربية المحتلة عام 1967، وهي مدينةٌ عربيةٌ وفلسطينيةٌ بشعبها، عاصمةٌ لدولة فلسطين، كما لم تسلّم بعد بالانسحاب من الأراضي التي احتلت في دولة فلسطين بحدود الرابع من حزيران/ يونيو1967، لم تسلم بعد بتفكيك المستوطنات ورحيل المستوطنين من جميع الأراضي المحتلة عام 1967؛ ولا بحقّ العودة للاجئين الفلسطينيين. وهكذا يتّضح تماماً لماذا لا يزال الصراع مع هذا الكيان دائراً حتى اليوم !.
الإدارة الأمريكية الجديدة بدأت تقترب من هذه الحقائق الموضوعية، خطوة خطوة. لكنها حتى الآن لم تحسم خيارها مع اسرائيل. وآخر مثال على ذلك، موقف أوباما بعد إلقاء خطابه في 4 حزيران/ يونيو 2009 في القاهرة، وعدم تجاوب نتنياهو والليكود معه، حين قال: لا بدّ من شيء من الحزم مع اسرائيل! عندئذٍ، ارتعب الليكود ونتنياهو؛ فانحنى الأخير من خلال خطابه في 14 حزيران/ يونيو 2009 في جامعة بار إيلان، التي خرّجت قاتل اسحق رابين في ميدان تل أبيب ـ ليُلقي خطاباً على مدى 30 دقيقة، 29 دقيقة منه لمغازلة وطمأنة اليمين واليمين المتطرف في اسرائيل، وفقط؛ في نصف الدقيقة الأخيرة، لفظ كلمة "دولة فلسطينية"، ثم كبّلها بالشروط والقيود، من أجل أن يستخدم هذه الشروط والقيود في مناوراته على الفلسطينيين والعرب والعالم، وخاصّةً على الإدارة الأميركية، فالذي أعلنه نتنياهو لأول مرة، يكسر الايدولوجيا والميثولوجيا الليكودية، والتي بسببها اضطرّ شارون أن ينشقّ عن الليكود ويشكّل حزب كاديما. ولأوّل مرة منذ عام 1977، فضلاً عن تاريخه ما قبل ذلك، بزعاماته التي جاءت إلى حكومات اسرائيل المتعاقبة، يلفظ الليكود بلسان نتنياهو كلمة "دولة فلسطينية"، لكنّ أوباما واصل ضغطه؛ وكانت النتيجة في يوم 5 تموز/ يوليو 2009، خلال اجتماع مجلس الوزراء الإسرائيلي، الذي لفظ عبارة "دولتين لشعبين". لكن، حتى الآن، لم ينزل الكيان عن شجرته التوسعية الاستيطانية في القدس والضفة الفلسطينية، ولا عن رفضه عودة القدس العربية إلى أهلها؛ وهو لازال يعلن أنها: "عاصمةٌ موحّدةٌ أبديةٌ لإسرائيل"؛ مع تأكيد رفضه لحقّ اللاجئين في العودة إلى بلادهم.
(يتبع)


الصورة: قيادة الثورة الفلسطينية مع جمال عبد الناصر

قد يهمّكم أيضا..
featured

دروس من تجربة الحركة الوطنيّة اللبنانيّة (2-2)

featured

هل عمليّة التربية والتعليم في المدارس أصبحت مشكلة؟

featured

عجّلوا في إسقاط الأنظمة: استعدّوا للثورة القادمة

featured

فردوس الدمقراطية

featured

مرسال المراسيل

featured

فخ المبادرة الفرنسية الفاشلة

featured

اسرائيل مستمرة بخرق قرار التقسيم