توفي أمس الاول المربي العريق غطاس يوسف غطاس عن عمر ناهز الثانية والتسعين من عمره ، قضى زهرة شبابه في التعليم وفي حث الأجيال على العلم والمعرفة، لم أتعلم في الرامة ورغم ذلك فصيته الايجابي وصل مثلثنا الأخضر هو وطويلي العمر نمر مرقص ود. بطرس دلة ، كما سيرة المربيين الذين طردتهما السلطات الاسرائيلية منذ البدايات المرحوم الرفيق فؤاد خوري والرفيقة سميرة خوري أطال الله في عمرها ، وبعدهم الرفيق أحمد الخطيب المدير الذي انضم لركب المناضلين ففصل من عمله والتحق بقافلة المناضلين .
أعد وبحث وحضر المرحوم غطاس كتابا أراد منه تلخيص نشاطه وحفظه للأجيال عنونه بـ " البستان العامر والروض الزاهر " وقع في 592 صفحة من الحجم الكبير سنة 2001م ، وأهداني نسخة منه في 22-2-2002م وكتب في إهدائه الكلمات الداعمة التالية:"هذا الكتاب يهدى إلى المربي والنقابي السيد مفيد صيداوي المحترم من المعجب بنشاطكم غطاس يوسف غطاس للفائدة والذكرى 22-02-2002م".
هذا الإهداء الجميل والرائع والذي ما زلت أحتفظ به دعاني لزيارته زيارة شخصية في بيته العامر لأسمع منه عن التعليم العربي في أيام لم أعشها معلما، وتقديرا وشكرا له على هديته الثمينة، كانت زيارة الابن لوالده وسأذكرها ما حييت.
أما كتابه فهو كتاب تاريخ شامل يبدأه من الفتح الاسلامي العربي لبلاد الشام ، حتى العصر الحديث، ولكنه يشمل أيضا خواطر وانطباعات عن رحلة إلى إيطاليا، وجولة في المغرب الأقصى مما يعتبر من أدب الرحلات .
ويكتب في فصل كامل "مذكرات وذكريات إنسان عادي" الصفحات( 471-585) ونجده في ص477 يكتب عن محاولات تأسيس نقابة للمعلمين العرب في فلسطين قبل قيام إسرائيل، وكانت السلطات البريطانية قد سمحت للحركة الصهيونية بإقامة نقابة للمعلمين اليهود في فلسطين، في صيف سنة 1903 في زمارين (زخرون يعقوب) أعلن عن تأسيسها .
وكتب بصدق عن الزاوية التي رآها في ذلك الوقت من خلال سرده عن تعليمه ، وبهذه المناسبة يقدم للقارئ والباحث مادة مهمة عن هذه المحاولات التي كان لها صدى في الصحف الفلسطينية في ذلك الوقت ، وأيضا يضع لنا خيوطا من نور حول شخصية الرفيق طيب الذكر فؤاد خوري فيقول :
" أما طلاب المدرسة الثانوية الاسكتلندية الذين أذكرهم فهم: فتحي أسعد قدورة زميلي في السنة الدراسية السابقة في عكا ، وكان الأول في الصف فؤاد جابر خوري من الناصرة ، وكان الأول في صفه في السنة الدراسية السابقة في ثانوية الناصرة ، وهو أصلا من قرية يافة الناصرة، ووالده مدير المدرسة الابتدائية في كفر كنا ، كان طالبا ذكيا جدا ومؤدبا ولطيفا بشكل لا يصدق ، أكمل دراسته الثانوية بنجاح تام، وبعد "المتريكوليشن" أكمل الصف الخامس ثانوي التربوي بسبب علاماته العالية وعين معلما في مدارس معارف حكومة فلسطين.
حاول تأسيس نقابة للمعلمين الأمر الذي أغضب حكومة الانتداب فنقلوه إلى مدرسة بعيدة في الخليل، وبعد سنة 48 انخرط في الأعمال النقابية والسياسية الحزبية واليسارية ففصل من جهاز التعليم بالمرة ، ولكنه صار قائدا سياسيا كبيرا حتى توفي وهو في الثامنة والأربعين بسبب مرض عضال".
هكذا يكتب المربي المخلص والأصيل عن زميل له وعن فترة تاريخية بحاجة لبحث وتنقيب وكتابه المشار إليه يعطينا أسس ونقاط إنطلاق هامة .
لم أقصد استعراض الكتاب بقدر ما أردت أن أرثي معلم مخلص أخذت منه ومن جيله وأمثاله مشاعل الصمود في وجه سلطان ظالم ، وأهمية الدفاع هن حقوق العمال والمعلمين وأهمية الاخلاص للمهنة التي تعتبر من أهم المهن المؤثرة في مجتمعنا والمجتمعات الأخرى .
فله الرحمة ولأبنائه وأسرته وأحفاده ولطلابه من الرامة وخارجها الصبر وحسن العزاء ، وستعرف الرامة ومدارسها تخليد مثل هذا المربي العريق.
( عرعرة – المثلث)
