*الحزب الشيوعي الإسرائيلي ودوره التاريخي في إقامة الأطر الوحدوية للجماهير العربية*
منذ قيام دولة إسرائيل والنكبة التي حلت بشعبنا الفلسطيني سنة 1948، لم يبق في البلاد أي تنظيم سياسي بين الجماهير العربية التي بقيت في وطنها إلا عصبة التحرر الوطني الفلسطينية والتي كانت عمليا التنظيم الشيوعي للشيوعيين العرب في فلسطين، هذا التنظيم الذي توحد مع الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي كان في أغلبيته المطلقة من الشيوعيين اليهود وكانت الوحدة في سنة 1949 وقد أطلق عليها اسم الحزب الشيوعي الإسرائيلي والذي هو من الناحية العملية امتداد للحزب الشيوعي الفلسطيني في هذه البلاد.
منذ تلك الفترة عمل هذا الحزب على ترسيخ جذور جماهيرنا العربية في وطنها ولذلك ومنذ الأيام الأولى وقف الشيوعيون العرب وبكل جرأة ضد سياسة الترحيل التي أرادت السلطات الإسرائيلية تنفيذها بحق جماهيرنا العربية خاصة وأنها في تلك المرحلة كانت تعيش مرحلة الخوف من الحاضر ومن المستقبل الغامض بالنسبة لها في ظل الوضع الجديد الذي نشأ بعد النكبة التي حلت بشعبنا وقيام دولة إسرائيل.
بناء على هذا الواقع الجديد كان لا بد من قوة سياسية من اجل اخذ دورها الطليعي وقيادة هذه الجماهير بالاتجاه الصحيح والعمل على إخراجها من حالة الخوف واليأس من الحاضر والمستقبل الغامض الذي تعيشه بعد كل ما حدث والعمل على تنظيمها من اجل مجابهة هذا الواقع المر الذي تعيشه وهنا كان الدور الهام والمركزي للحزب الشيوعي الإسرائيلي في حمل قضايا وهموم هذه الجماهير.
البداية كانت في العمل على نشر الفكر الوطني الصادق في قرانا العربية وفي الوقت نفسه نشر الفكر الشيوعي الثوري والإنساني والذي بموجبه تستطيع أن تتحدى بشكل منظم ومسؤؤل وهذا العمل يأتي عن طريق إقامة فروع للحزب الشيوعي في مدننا وقرانا العربية ، حتى تستطيع هذه الفروع من قيادة نضال هذه الجماهير في تحديها لسياسة السلطة الجديدة وأعوانها في مدننا وقرانا حيث كان في تلك المرحلة يسيطر على قرانا نظام المختره العميل.
لقد استطاع الحزب في سنوات الخمسينيات الأولى من القرن الماضي أن يقيم له فروعا في اغلب قرانا العربية الأساسية وبدأت هذه الفروع تأخذ دورها الطليعي بين جماهيرنا العربية خاصة انه كان واجب الشيوعيين في تلك المرحلة العمل بمثابرة على جبهتين هامتين.
الجبهة الأولى: هي مقاومة سياسية السلطة الحاكمة ونظام الحكم العسكري البغيض الذي فرضته على جماهيرنا.
الجبهة الثانية: هي مقاومة أعوان السلطة المحليين والممثلين في تلك المرحلة بنظام المختره البغيض الذي كان مسيطرا في قرانا العربية.
من اجل النجاح في المعركة في هذه الجبهات وبشكل خاص الجبهة الأولى أي مقاومة السلطة وسياستها وأنظمة الحكم العسكري خاصة وانه في مجال الجبهة الثانية كان العمل أسهل نسبيا لأنه مع زيادة الوعي الوطني والوعي السياسي بين جماهيرنا كان بحجم دور هؤلاء الزعماء التقليديين في مدننا وقرانا من ناحية ومن ناحية أخرى يزداد دور الشيوعيين والقوى الوطنية ولذلك كان واجب الشيوعيين أن يكونوا دائما في طليعة كفاح جماهيرنا ولم يكن صدفة أنهم كانوا دائما يدفعون ثمن هذه المواقف الجريئة والمبدئية من سجن ونفي واثبات وجود وتحديد إقامة وغيرها من الأساليب العنصرية التي كانت تقوم بها السلطة ضد الشيوعيين.
إن الحزب الشيوعي ومنذ مؤتمره الثاني عشر الذي عقد في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي كان يضع دائما قضية العمل المشترك مع القوى الديمقراطية اليهودية والعربية المستعدة للتعاون من اجل توحيد الجهود في المعركة ضد سياسة حكام إسرائيل المعادية للسلام ولحقوق الشعب العربي الفلسطيني ولجماهيرنا العربية التي بقيت ثابتة في وطنها . وعلى أساس هذا الموقف عمل الحزب على إقامة لجان شعبية ولجان دفاع عن الأرض وأقامت الجبهة الشعبية بعد أحداث أيار سنة 1958 ومؤتمر الأوقاف الإسلامية ومؤتمرات الدفاع عن الأراضي وغيرها من المعارك التي خاضتها جماهيرنا في سنوات الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي والتي تحدثت عنها في حلقات سابقة.
إن دعوة الحزب من اجل العمل المشترك لم يكن تكتيكا فقط بل هو هدف وضعه الحزب وعمل على أساسه في خوض كل المعارك النضالية التي كانت تجابه الجماهير العربية، ففي المعركة من اجل إلغاء الحكم العسكري ومن اجل تحقيق هذا الهدف تم التنسيق حتى مع حزب حيروت في تلك الفترة حتى تحقق هذا الهدف في سنة 1965، وفي مجال العمل بين جماهيرنا العربية كان يعمل بشكل دائم من اجل تجنيد كل القوى الوطنية بين جماهيرنا العربية في المعركة من اجل الحقوق القومية واليومية لهذه الجماهير.
في معركة سلطاتنا المحلية من اجل حقوقها في الميزانيات ومن اجل مساواتها بالمجالس اليهودية كان لا بد من العمل بشكل منظم من اجل توحيد هذه المجالس وتحديد مطالبها العادلة خاصة وأنها كانت بوضع مأساوي في تلك المرحلة ولذلك كان لا بد من المبادرة من اجل توحيد القوى والانطلاق في العمل المنظم ، لقد كان ضمن اللجان التي تقيمها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي لجنة سميت الدائرة البلدية المختصة في مشاكل العمل البلدي في مدننا وقرانا العربية والعمل البلدي بشكل عام، ففي كل اجتماعاتها كانت تضع البرامج من اجل تعميق العمل المشترك لأعضاء المجالس المحلية ورؤساء المجالس في المعركة من اجل المساواة في الميزانيات، ومنذ أوائل سنة 1970 جرت اتصالات من اجل هذا الهدف وكان أول الرؤساء الذين تبنوا فكرة توحيد جهود وعمل رؤساء السلطات المحلية في تلك المرحلة المرحوم حنا مويس رئيس المجلس المحلي في الرامة والذي أصبح فيما بعد احد مؤسسي الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة سنة 1977 وقد استمر العمل في هذا الاتجاه حتى كانت البداية الموفقة بعقد اجتماع تاريخي لرؤساء السلطات المحلية العربية حضره خمسة عشر رئيسا للسلطات المحلية العربية في الجليل حيث عقد هذا الاجتماع بتاريخ 3.6.1970 في مدينة عكا.
في هذا الاجتماع قرروا توجيه مذكرة إلى وزارة الداخلية ومركز السلطات المحلية في البلاد وفي الواقع فان هذه المذكرة كانت قد أزعجت السلطات الحكومية لأنها احتوت على مطالب عادلة لهذه السلطات ورأت في مثل هذا العمل خطرا يجب العمل على منعه ولذلك عملت على أن لا يعود الرؤساء بمثل هذا الاجتماع ، ولكن بالرغم من كل هذا فان الضغوط المستمرة للرؤساء ورفع شعارها- المساواة ولا اقل من المساواة- كان قد فرض على وزارة الداخلية في شباط 1972 إقامة لجنة شعبية لدراسة أوضاع السلطات المحلية العربية برئاسة المرحوم سامي جرايسي من الناصرة.
وقد أصدرت هذه اللجنة بعد سنة ونصف تقريرا وتوصيات على جانب كبير من الأهمية قدمته إلى وزارة الداخلية وكانت وزارة الداخلية قد عملت على إخفاء هذا التقرير ولكن جريدة الاتحاد التابعة للحزب الشيوعي استطاعت أن تحصل على نسخة من هذا التقرير، وبعد عدة اشهر نشرته من خلال عدة حلقات و تضمن فضح كل سياسة السلطات من التمييز العنصري والإهمال المقصود تجاه السلطات المحلية العربية ، في الواقع تواصلت الاجتماعات للسلطات المحلية العربية بعد هذا التقرير حيث عقدت عدة اجتماعات للرؤساء في منطقة عكا ومنطقة الناصرة والتي من خلالها جرى الاتفاق على توحيد الجهود والمطالب تحت شعار: "المساواة ولا اقل من المساواة"، ومن خلال هذا العمل المتواصل برزت بشكل واضح فكرة إقامة لجنة قطرية للسلطات المحلية العربية من اجل متابعة عمل السلطات المسؤولة في مختلف الوزارات بشكل موحد ومنظم لتحقيق مطالبها العادلة، وبالفعل كانت قد أقيمت لجنة المتابعة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية في أوائل سنة 1974 وبدأت باتخاذ دورها الهام في معركتها من اجل المساواة. في أواخر سنة 1974 اضطر اسحق رابين إلى استقبال وفد ممثل عن لجنة المتابعة القطرية والاستماع إلى قضايا السلطات المحلية العربية ومطالبها العادلة.
خلال عمل هذه اللجنة المتواصل ومن اجل أن يكون عملها أكثر تنظيما وتأثيرا قررت عقد مؤتمر عام لرؤساء السلطات المحلية العربية في 19 شباط سنة 1975 في مدينة الناصرة وكان قد حضر هذا المؤتمر أكثر من أربع مائة مندوب من رؤساء وأعضاء السلطات المحلية من اثنين وخمسين مجلسا محليا وبلديا وكان قد حضر هذا المؤتمر عددا من أعضاء لجنة وزارة الداخلية في الكنيست وأعضاء كنيست يهود وعرب بالإضافة إلى شموئيل طوليرانو مستشار رئيس الحكومة للشؤون العربية وكان هذا من الناحية العملية اعتراف من قبل السلطات الرسمية بهذه اللجنة للرؤساء العرب.
في هذا المؤتمر الأول لهم انتخبوا السيد حنا مويس رئيس مجلس الرامة المحلي الذي كان أول المبادرين من بين الرؤساء لهذا العمل رئيسا لهذه اللجنة القطرية للرؤساء العرب واستمر في قيادتها حتى وافته المنية في أوائل سنة 1981.
لقد حاولت السلطات الحكومية احتواء هذه اللجنة وتسييرها حسب إرادتهم ولكن الأكثرية من الرؤساء رفضوا بشكل قاطع هذا التوجه الاستعلائي وان قراراتهم ومواقفهم يجب أن تنبع فقط من مصلحة مدنهم وقراهم وليس من أي مصدر آخر، وهكذا عمليا تطورت هذه اللجنة إلى أن أصبحت أيضا لجنة المتابعة العليا لجماهيرنا العربية في هذه البلاد بعد أن انضم إليها ممثلي الأحزاب العرب في الكنيست وهكذا اتسعت تركيبتها فيما بعد أيضا حيث انضم إليها بالإضافة إلى الأحزاب السياسية وأعضاء الكنيست العرب كذلك ممثلي حركات سياسية أخرى وممثلي جمعيات أهلية، حيث أصبحت اليوم لجنة المتابعة العليا لجماهيرنا العربية هي المقرر الأساسي والأول في جميع النشاطات السياسية الأساسية والنضالية لهذه الجماهير، وبالرغم من كل محاولات السلطة من اجل حرف اللجنة عن أهدافها ومحاولة احتوائها والتي جميعها باءت بالفشل نرى اليوم أن هناك البعض من مركباتها توجه لها الانتقادات غير الموضوعية وهناك حتى من يحاول تفكيك هذه اللجنة وهم بهذا العمل يقدمون خدمة مجانية للسلطات الإسرائيلية.
يجب أن يتم النظر إلى لجنة الرؤساء ولجنة المتابعة العليا لجماهيرنا العربية من الناحية العلمية على أنها إحدى الانجازات الهامة التي حققتها الجماهير العربية في هذه البلاد حيث أخذت دورها الهام في تنظيم معركة هذه الجماهير من اجل نيل حقوقها القومية واليومية وفي كفاحها من اجل المساواة وان الواقع التاريخي يؤكد انه كان للحزب الشيوعي إسهام أساسي في إنجاح وإقامة هذا الإطار الهام ،لذلك من الضروري المحافظة على هذا الإطار الوحدوي الهام من اجل قيادة نضال جماهيرنا العربية في هذه البلاد.
