تفصلنا عن موعد الانتخابات الأميركية أيام معدودات لن نعرف قبل انقضائها من الذي سيفوز برئاسة الدولة العظمى: باراك اوباما أم ميتْ رومني. استطلاعات الرأي تُظهر أن فرص المرشحين متساوية، فتُظهر أن الذين سيدلون بأصواتهم في الانتخابات منقسمون على ثلاثة أقسام: أولئك الذين لم يحدّدوا اختياراتهم بعد، وقد لا يحددها أغلبهم إلا في يوم الاقتراع. والآخرون المنقسمون مناصفةً بين المرشحين.
هذا التوزع مختلف عن توزع أصحاب حق الاقتراع في البلد الكبير. فنصف أصحاب هذا الحق، أو ما يكاد يبلغ النصف، لا يكلف نفسه عناء الذهاب إلى مراكز الاقتراع. ويمكن أن يُنسب الإحجام عن المشاركة إلى أسباب كثيرة، كما يمكن احتساب خيبة الأمل بالجانبين في مقدمتها.
في الحالتين، في توزّع أصحاب حق الاقتراع وتوزّع ممارسي هذا الحق، غدا الأمر مألوفاً بعد أن تكرر كثيراً. مع ذلك، فإن لهذه الانتخابات بالذات أهميةً خاصة، لأنها تجيء بعد أربع سنوات من احتدام الأزمة الاقتصادية التي مسّت حياة كل أميركي وأثرت في كل بقعة في العالم، والتي هددت قدرة الإدارة الأميركية على التحكم بمصير البشرية كلها.
بوادر الأزمة، هذه، ظهرت في عهد الرئيس جورج بوش الابن، الجمهوري، وهي التي مكّنت الديمقراطي باراك اوباما من احتلال مقعد الرئاسة خلفاً له. ولكن الأزمة انفجرت بكامل ثقلها في عهد اوباما هذا. وكما هو الحال في بلاد يفترس إعلامها وعي المواطنين، ولأن الحديث المعمق عن الأزمة سيدين الرأسمالية بفرقائها كافةً، فإن الفريقين المتنافسين في الانتخابات تجنّبا، كلاهما، نبش جذور الأزمة، وركزا على مواقف كل منهما من عقابيها وحدها. أنصار اوباما حاولوا إبراز نجاح عهده في لجم عقابيل الأزمة وخططِه لاستكمال هذا النجاح إذا فاز بولاية ثانية. وأنصار رومني الجمهوريون حاولوا إظهار قصور ما فعله عهد خصومه الديمقراطيين وأبرزوا فشل اوباما، وعرضوا خططَهم هم لإنهاء الأزمة ومقدرتَهم في هذا المجال.
الناخب الأميركي ينشغل بالهموم الاقتصادية وما يقترن بها وينجم منها، ويكاد اهتمامه يقتصر على هذه الهموم. أما خارج الولايات المتحدة فالأمر مختلف. فهنا تتنوع الاهتمامات؛ ترد الهموم الاقتصادية دون شك، لكن الاهتمام لا يقتصر عليها، أو لا يقتصر على ما يراه الناخب الأميركي منها، بل ينصرف إلى الحضور والدور الأميركيين في السياسة العالمية وفي شؤون هذه أو تلك من مناطق العالم وبلاده.
من هنا، يختلف توزع التأييد خارج الولايات المتحدة لكل من المرشحين عن التوزع داخلها. ولو كان الخارج هو الذي ينتخب الرئيس الأميركي لظفر الديمقراطي باراك اوباما بأغلبية أصوات الأوروبيين الكبيرة ونسبةٍ أعلى بكثير مما قد يظفر به رومني من أصوات القارات الأخرى.
في البلاد العربية قد يختلف الأمر بعض الشيء، وهو قد يختلف من وجوه عدّة. فأغلب الحكام، خصوصًا الرجعيين منهم، يحبّذون الجمهوريين، حتى حين لا يجهرون برأيهم. أما المواطنون فما أشد تعقيد حالهم في هذا المجال: خيبة الأمل في الجمهوريين أزمنت، خصوصًا بعد ما فعلوه في العراق؛ وخيبة الأمل في الديمقراطيين تتواتر بسرعة، وخصوصاً بعد فشل اوباما في تنفيذ الوعود التي اقترنت بمجيئه إلى البيت الأبيض.
والغالب بين الآراء المتداولة في أوساط الرأي العام العربي خارج حلقات الحكام هو الرأي الذي يساوي في السوء بين شهاب الدين الديمقراطي وأخيه الجمهوري، الرأي الذي يرى أن الفريقين الأميركيين اللذين يتناوبان إشغال قمة السلطة يتناوبان في الوقت ذاته إلحاق الأذى بالعرب، ولا يختلف الواحد منهما في هذا المجال عن الآخر.
بين الفلسطينيين، بالذات، الأمر أعقد، خيبة الأمل بالأميركيين كلِّهم عميقة، لكن الحاجة إلى التشبث بأي بارقة، حتى حين تكون خلبيّة، عميقة هي الأخرى. يرى الفلسطينيون كيف يتفق الفريقان الأميركيان على تأييد إسرائيل أيا ما كانت عليه سياستها، وعلى حمايتها بكل أشكال الحماية، وعلى إبقائها متفوقة في القوة على محيطها العربي كله، وعل تدمير أي قوة عربية قد تخلّ بهذا التفوق أو تقلصه. ولكن الفلسطينيين يدققون أكثر من سواهم في التفاصيل، وتستوقفهم حتى الإشارات الضئيلة التي تدل على وجود فوارق بين هذا أو ذاك من الرؤساء الأميركيين، ويمنّون أنفسهم بشتى الأماني.
ولو كان للفلسطينيين حق انتخاب الرئيس الأميركي من بين المرشحَين الديمقراطي والجمهوري المتنافسين، فأغلب ظني أن غالبيتهم ستمتنع عن التصويت. أما الأقلية التي قد تصوت فأغلب الظن أن أكثر من نصفها سيصوت لباراك اوباما.
وفي المحصلة، فإن ثوابت السياسة التي تتبعها الإدارات الأميركية المتعاقبة لا تتبدل بسهولة حين يتبدل حصان المقدمة في عربة البيت الأبيض: خدمة الرأسماليين، وتأكيد الهيمنة الأميركية على العالم، والاحتفاظ بالولايات المتحدة على رأس معسكر حلفائها أنفسهم، وتوسيع دوائر الأتباع هنا وهناك في القارات الخمس. وهذه سياسة لا يصنعها الرئيس، جمهوريًا كان هذا الرئيس أو ديمقراطيًا، بل تصنعها المؤسسات التي لا تتبدل مع نتائج الانتخابات.
