ارتفعت نسبة مبيعات الصحف اليسارية التي أيدت كوربن في حملته الانتخابية لزعامة الحزب، وبالمقابل انخفضت نسبة مبيعات الصحف اليمينية، التي وصفت كوربن بـ"ديناصور اليسار" ويبدو أن قطاعاً واسعاً من البريطانيين يعاقب صحف اليمين ويكافئ صحف اليسار، على خلفية الموقف من كوربن
*شكَّل فوز اليساري جيرمي كوربن بزعامة "حزب العمال" البريطاني المعارض صدمة لليمين المحافظ في بريطانيا، لكن التأثيرات ستستمر لفترة طويلة قادمة، لاستثنائية كوربن في تكوينه السياسي والفكري، وانعكاس ذلك على شخصيته وأفعاله*
//تقرير: عامر راشد - سبوتنيك
مازالت الأوساط السياسية البريطانية تتحدث عن القنبلة التي فجَّرها جيرمي كوربن بفوزه بزعامة "حزب العمال" البريطاني، فاستطلاعات الرأي كانت تضعه في موقع متأخر بين المتنافسين على زعامة الحزب، وشنت الصحف الكبرى، ومعظمها ذات ميول يمينية، هجوماً شرساً على كوربن كونه من الجناح اليساري في الحزب، ولأنه مثَّل على الدوام خصماً شرساً للسياسات الحكومية منذ أن دخل مجلس العموم البريطاني قبل 32 عاماً، فكان من أشد المنتقدين لسياسة رئيسة الوزراء البريطانية وزعيمة حزب المحافظين الأسبق، مارغريت تاتشر، في ثمانينيات القرن الماضي، 1979- 1990 إبان ذروة ما اصطلح على تسميته بـ"الحرب الباردة". وواصل كوربن انتقاده لسياسات حزب المحافظين في تسعينيان القرن الماضي بزعامة جون ميجر، الذي خلف تاتشر برئاسة الوزراء، من عام 1990- 1997، لتنتقل السلطة بعدها لحزب العمال بقيادة زعيمه الأسبق توني بلير.
والتزاماً منه بمبادئه الفكرية وتوجهاته السياسية، لم ير كوربن أن السياسات التي انتهجها توني بلير تختلف عن سياسات اليمين المحافظ، ولذلك كان كوربن معارضاً لسياسات بلير بالقدر نفسه الذي عارض فيه سياسات تاتشر وميجر، وعمل على تعرية الممارسات المخزية لحكومة بلير، بتواطؤها ومشاركتها مع إدارة بوش الابن في غزو العراق واحتلاله، والتحاقها كذيل للسياسات الخارجية الأميركية، وجرائم الحرب التي ارتكبت في العراق وأفغانستان، ومواقفها المعادية للشعب الفلسطيني، وانتهاكات حقوق الإنسان في بريطانيا ضد المواطنين من أصول مهاجرة، لاسيما من بلدان إسلامية، بعد أحداث الحادي عشر من أيلول2001 في نيويورك.
وبقي كوربن وفياً لنهجه السياسي ومعتقده الفكري، بانتقاده ومشاركته في تحركات مناهضة لسياسات رئيس الوزراء الحالي وزعيم حزب المحافظين، ديفيد كاميرون، ومازال يرفع شعار جعل العالم خالياً من الأسلحة النووية، ورفض الانجرار إلى "حرب باردة" جديدة، ويدعو إلى أن تنتهج بريطانيا سياسات تقوم على السلم والتعاون الدولي.
وسائل الإعلام ذات التوجهات اليمينية في بريطانيا، المقروءة والمرئية والمسموعة، شنت حملات واسعة ضد كوربن على أبواب حملة الانتخابات الداخلية في "حزب العمال"، للحيلولة دون نجاحه، رغم أنها كانت تردد بأن حظوظه شبه معدومة، وعندما فجر قنبلة فوزه برئاسة الحزب، في الثالث عشر من الشهر الماضي، راحت وسائل الإعلام تلك تروج لمقولة أن فوزه سيبقي حزب العمال في مقاعد المعارضة، على سبيل المثال لا الحصر، صحيفة "صنداي تلغراف" خرجت بافتتاحية تحت عنوان "موت حزب العمال الجديد"، بينما تصدر الصفحة الأولى من صحيفة "صنداي تايمز" مناشيت "كوربن أشعل حرباً أهلية في حزب العمال".
*تغيّر المزاج الشعبي*
لكن بعد أكثر من شهر بقليل على انتخاب كوربن تبدو الصورة مختلفة، فالجمهور البريطاني يظهر تعاطفاً أكبر مع كوربن، ومن المؤشرات على ذلك ارتفاع نسبة مبيعات الصحف اليسارية التي أيدت كوربن في حملته الانتخابية لزعامة الحزب، وبالمقابل انخفضت نسبة مبيعات الصحف اليمينية، التي وصفت كوربن بـ"ديناصور اليسار" و"عاشق المراحيض"، ويبدو أن قطاعاً واسعاً من البريطانيين يعاقب صحف اليمين ويكافئ صحف اليسار، على خلفية الموقف من كوربن.
ما سبق يؤكد تغير المزاج الشعبي البريطاني، ويُؤخذ على محل الجد في الأوساط الشعبية البريطانيةـ باعتباره مؤشراً على ازدياد مطرد لفرصة "حزب العمال" بالعودة إلى السلطة تحت زعامة كوربن، رغم كل الحملات الإعلامية التي شنت ضده، وما زالت متواصلة. وهذا يعطي للجميع درساً بليغاً مفاده أن قوة وسائل الإعلام لا يمكن لها أن تستطيع دائماً تشويه الوعي الجمعي للشعوب، فالغالبية الساحقة من البريطانيين، الذين اكتووا بنار سياسات تاتشر وميجر وبلير وكاميرون، يدركون أهمية الاستثناء الذي يشكله كوربن.. وبلا شك هذا الاستثناء يحتاجه البريطانيون، كما يحتاجه الأوروبيون الغربيون والعالم أجمع، في وقت توغل فيه السياسات الغربية في افتعال "حرب باردة" جديدة، ودفع العالم إلى الأزمات وعدم الاستقرار وسباق تسلح.
