الاعتراض على المخطط الهيكلي- سبل دعمه وإنجاحه

single
في الوقت الذي أُودِعَتْ فيه مخططات هيكلية في مدن وقرى عربية مختلفة في البلاد,  ولم تلبّ في اعتقادي حاجات السكان في أكثر الأماكن, أودّ أن أتطرّق في مقالتي القصيرة هذه إلى حق الاعتراض على المخطط الهيكليّ والسبل التي أراها مناسبة لجعله ناجعا ناجحا. كما سأشرح لاحقا في المقال، أنا أرى أنّ حقّ الاعتراض على المخطط الهيكلي (المحليّ او اللوائيّ), حسب صيغته الحاليّة في القانون, غير قادر, في نظري, في أكثر الحالات, أن ُيبطل أو يُغيـّر مخططا لا يراعي مصالح الناس, حقهم في استغلال أراضيهم إلى الحدّ الأقصى, وحاجتهم الماسّة إلى المسكن والعمل. لهذا سأقترح في مقالتي هذه بضعة سبل من شأنها, في نظري, أن ُتحسّن من احتمالات نجاح الأعتراض على المخطط قبل ايداعه وبعده.
كما هو معروف, هناك أربعة مخططات هيكليّة حسب قانون التنظيم والبناء لعام 1965: مخطط هيكلي قطري، وهو يحلّ على كلّ البلاد, يحضره المجلس القطري للتنظيم والبناء وتصادق عليه حكومة إسرائيل; مخطط هيكليّ لوائيّ لكل لواء من الألوية الستة في البلاد, تحضّره اللجنة اللوائيّة في كل لواء ويصادق عليه المجلس القطري للتنظيم والبناء; مخطط هيكلي محليّ يحُلّ على منطقة تنظيمية محليّة كقرية أو مدينة, يحضره المواطن أو السلطة المحليّة أو اللجنة المحليّة أو سلطة حكومية وجهات أخرى, وتصادق عليه اللجنة المحلية أو اللجنة اللوائيّة وذلك حسب أهداف المخطط وشروطه; أمّا النوع الرابع فهو مخطط تفصيليّ وهو مخطـّط هيكليّ محليّ إلاّ أنـّه يزيد على المخطط الهيكليّ المحليّ بأنـّه يفصّل شروطا تخطيطية عينية كنوع الاستعمال المسموح على قطعة الأرض, مساحة البناء المسموح بها, الارتفاع المسموح به وخطوط البناء, ولا يمكن إصدار رخصة بناء إلاّ حسب مخطط تفصيلي كهذا.
إنّ قانون التنظيم والبناء يمنح لكل فرد يرى نفسه متضررا من مخطـّط هيكليّ محليّ او لوائيّ الحقّ في  أن يعترض على المخطط خلال ستين يوما من تاريخ آخِر إعلان في الجريدة الرسمية بشأن إيداع  نسخة منه (أي نسخة من خريطة المخطط ونظامه المكتوب) لدى لجان التنظيم ذات الصّلة. وبالنسبة للمخطـّط الهيكليّ القطريّ فإنـّه لا يحق للفرد أن يقدّم رسميّا اعتراضا عليه, بل إن لجان التنظيم اللوائيـّة هي التي تقدّم ملاحظاتها على المخطط القطريّ بعد أن أعلمت لجان التنظيم المحليّة  ذات الصلة بالمخطط. إنـّه حسب القانون, على المعترض أن يفصّل أسباب وحجج الاعتراض, مدعوما بشهادة مشفوعة بالقسم مصدّقة لدى محام. من جهة أخرى إنّ للجنة التنظيم والبناء التي أودعت المخطط، الصلاحية في أن تقبل الاعتراض أو ترفضه, كليّـًا أو جزئيّـًا, وأن ُتلزم الفرد الّذي كان قدم اعتراضه عن سوء نية، أن يدفع لمقدّم المخطـّط مصاريف أتعاب الإجراءات التي نجمت عن تقديم الاعتراض وبحثه.
وكما ذكرت سابقا, في نظري إنّ حق الاعتراض على مخطط هيكليّ (محليّ أو لوائيّ) غير كاف حسب الوضع القانونيّ السائد في البلاد, في أكثر الحالات, لأبطال مخطط مجحف أو تغييره. هذا, وبالنظر في الأساس إلى أربعة أمور هامّة في هذا الشأن: أوّلا, إنّ قرار لجنة التنظيم القاضي بإيداع مخطط ما، هو إعلان صريح من قِبـَلها أنّ المخطـّط مقبول لديها مبدئيّـًا. هذا الأمر ُيضعف بلا شك إمكانية أن تصل لجنة التنظيم إلى قرار يقضي بإبطال المخطـّط كليّـًا أو تغييره بشكل جذريّ حتى بعد استماع الاعتراضات بشأنه. بل إنّ هناك من يرى في الفقه القانوني أنّ الاعتراض على المخطط بعد إيداعه لن يستطيع في نهاية الأمر إلاّ أن ُيحدِث تغييرات "تجميليّة" بالمخطط لا غير. ثانيا, إنّ حق الاعتراض على المخطط يُمنـَح للفرد, حسب القانون الإسرائيليّ, بعد إيداع المخطط. أي بعد أن اتخذت لجنة التنظيم قرارها بأنّ المخطط مقبول لديها مبدئيّـًا. وهذا النهج القانوني يشذ عن النهج العام للقانون الإداري في البلاد الـّذي ُيلزم كل سلطة إدارية أن تستمع إلى طعون الفرد قبل أن تـتـّخذ أيّ قرار يمَسّ حقوقه. أي أنه إذا طبقنا هذا النهج على مسألة إيداع مخطط ما، فإنـّه يترتـّب على سلطة التنظيم أن تستمع إلى طعون الجمهور وملاحظاتهم بشأن المخطط قبل أن تتخذ قرارا بإيداعه، وذلك في إطار يضمن مشاركة حقيقية للجمهور، فعليّة وليست شكليّة فحسب. هذا النهج يشذّ أيضا عن النهج المتـّبع في دول أخرى لها نفس الطريقة القضائية التي لدولة إسرائيل. ففي بريطانيا مثلا, يحظى الجمهور, مبدئيا, بفرصة إبداء ملاحظاته على المخطط خلال مرحلتين: الأولى يوم يودع المخطط بصيغته الأولى, والثانية يوم يودع المخطط بصيغته الأخيرة بعد أن غيرته سلطة التنظيم, أو لم تغيره, حسب ملاحظات الجمهور في المرحلة الأولى. وفي المرة الثانية يتمّ إشراك الجمهور في إطار منظـّم ُيسمى باللغة الإنجليزية "Examination in Public", أي "فحص علنيّ" يتمّ من خلاله الاستماع إلى اعتراض الفرد على المخطط بشكل منظم وفعّال، ويميل أكثر إلى إشراك الجمهور باتخاذ القرار التنظيميّ. رابعا, لا تتدخل المحاكم الإسرائيلية بقرار لجنة تنظيم بشأن إيداع مخطط ما, ما دام المخطط لم يتجاوز فترة الإيداع, إلاّ في حالات نادرة, حتى ولو ثبت لها أنّ قرار إيداع المخطط كان خطأ أو غير منطقيّ من أصله. ذلك أنّ المحكمة تقضي أن يستنفذ الفرد كلّ وسائل الاعتراض أمام لجنة التنظيم أوّلا، فإن قبـلت اللجنة طعونه فليفرح وليتهلـّل, وإن رفضتها, فيستطيع العودة إلى المحكمة بعد ذلك حسب الموعد المحدّد في القانون.
لهذا كلّه، أقترح استخدام سبل إضافية من شأنها أن تقوّي، حسب رأيي، الاعتراض على المخطـّط، وأن ُتحسّن من احتمالات نجاحه. من بين ذلك, أقترح أولا, "الاعتراض" على المخطـّط قبل إيداعه, والعمل قبل ذلك على منع إيداع المخطط، بما في ذلك التوجّه إلى القضاء لهذا الغرض إذا لزم الأمر. في حالات معيـّنة لا يصحّ لنا أن ننتظر حتـّى ُيودَع المخطط  لنعترض عليه, بل علينا البدء "بمحاربته" من يوم اقتراحه. على سبيل المثال, إذا علمنا أن سلطة التنظيم ُتحضّر مخططا لإقامة حيّ استيطانيّ في قرية عربية, هل علينا وقتئذ أن ننتظر حتى ُيودَع المخطط لنعترض عليه؟ بالطبع لا. بل علينا حسب رأيي أن نقارع المخطـّط الذي نراه سيـّئا ومضرّا منذ "ولادته". عندها تكون إمكانية أن تعدل لجنة التنظيم عن المخطط اكبر من إمكانية العدول عن المخطط بعد إيداعه. ثانيا, تقوية دور السلطة المحليّة في مساعدة الناس على تقديم اعتراضاتهم على المخطـّط. بما في ذلك, أن تعلم المواطنين بالمخططات التي تمسّهم وان تزودهم بالموادّ والمستندات اللازمة للاعتراض على المخطط قبل إيداعه أو بعدها. إنّه حسب القانون لا يستطيع الفرد مبدئيّـًا أن يرى شيئا من مستندات المخطط سوى نظامه المكتوب وخريطته والقرارات التنظيمية المتعلقة به التي نشرتها سلطة التنظيم علانية, وهذا يكون بعد ايداع المخطط, لتكون غالبية المستندات "الداخلية" المحجوبة عن الفرد, في اغلب الأحيان, لدى السلطة المحلية أو بمتناول يدها. كما تستطيع السلطة المحلية تنظيم اعتراضات الناس ونقلها بشكل مرتب إلى الدوائر المختصة ذات الصلة. وهنا انوّه أنّ تقصير السلطات المحلية في بعض البلدان العربية عن مساعدة الناس بالاعتراض على المخطط الهيكليّ جعلهم يُقيمون بأنفسهم "لجانا شعبية" تنظم اعتراضات الناس، وتستنفذ لهذا الغرض كل وسيلة مسموح بها بشكل يستحقّ معه كلّ احترام وتقدير. ثالثا, الاستعانة بالمؤسسات الجمهورية المختصة في مجال التنظيم والبناء "كالمركز العربي للتخطيط البديل" لقدرتها على تقديم المشورة الهندسية التخطيطية اللازمة وبمؤسسات أخرى لها علاقة بموضوع المخطط وتأثيراته، أو بموضوع الأرض لدى الأقلية العربية في البلاد. رابعا, تفعيل الدور الجمهوري, الإعلامي والسياسي لدعم الاعتراض على المخطط قبل إيداعه أو بعده. وقد اثبت النشاط الجمهوريّ في عدد من الحالات قدرته على تغيير القرار التنظيمي حتى إبطاله. مثال على ذلك, إبطال مخطط "سافدي" (مخطط هيكلي لوائي) الذي هدف الى اقتطاع حوالي 26,000 دونم من الأراضي المفتوحة الخضراء غرب القدس لبناء 20000 وحدة سكنية, إلاّ انه وبفضل نشاط جمهوري وإعلامي مستمرّ ومكثف قرر المجلس القطري للتنظيم والبناء العدول عن المخطط وإبطاله.
لا شك,  أن الطريقة المُثـلى لتقوية حقّ الاعتراض على المخطط وضمان مشاركة حقيقية للجمهور في القرار التنظيمي تكمن مبدئيا في تغيير قانون التنظيم والبناء ذاته. لكن, بما أني لا أرى أنّ تغييرا كهذا يلوح بالأفق القريب أو حتى في السنين القريبة, فاني أؤيد استنفاذ ما اقترحت أعلاه من الوسائل المتاحة لتقوية الاعتراض على المخطط. أرى جازمًا أنه إذا عوّلنا، كما اعتدنا، على أن نعترض على المخطط بالصيغة الضعيفة الحالية التي منحها لنا القانون, فانـّا على الغالب سنقرعّن السنّ على أنفسنا من ندم، يوم لا ينفع الندم, ذلك أنّه يوم يُصدَّق مخطط مجحف ضار، يخلق للناس المشاكل والمعاناة بدل أن يوفـّر لهم مستقبلا كريما وفرصة طبيعية للعيش بكرامة وسلام.
*محاضر في العيادة القانونية للتنظيم والبناء في كلية الحقوق في الجامعة العبرية في القدس.
قد يهمّكم أيضا..
featured

المؤسسة الحاكمة البريطانية متهمة أيضًا

featured

"جَمْعِيَّة الكُومُونِيسْت"

featured

حين يقف شعبك إلى جانبك...

featured

من اجل ابعاد ظاهرة العنف في مدينتنا

featured

قمة الكلام وحضيض الأفعال

featured

نداءات الحرية والمحبة والسلام

featured

لمواجهة العنف بحزم

featured

تلفزيون الواقع الفلسطيني