*من خلال قراءتنا لانتماءاتنا ومن خلال حرصنا على مصالحنا علينا الخروج من حالة التهميش المضاعف وممارسة انتماءاتنا بالكامل على الساحة الإسرائيلية والساحات العربية-الفلسطينية * يجب أن نعمل ليكون لنا موطئ قدم وصوت في الهيئات التمثيلية الفلسطينية والعربية، مثل منظمة التحرير الفلسطينية. وإن كانت هذه الهيئات تتطلب إعادة بناء فيجب أن يكون لنا دور في هذه العملية أيضا*
في هذا العصر الذي تتمازج فيه ثقافات العالم أصبح من غير الإنساني أن يُطلب من المرء مَوْقـَعَة نفسه في هوية واحدة. ونحن أسوة ببقية شعوب العالم لنا هويتنا متعددة الدوائر أو الشرائح من بينها الهوية القومية العربية والفلسطينية من جهة والهوية المدنية الإسرائيلية من جهة أخرى، والتي هي هويات حية متحركة تتفاعل مع الواقع الاجتصاسي (إجتماعي-إقتصادي-سياسي) تؤثر فيه وتتأثر به.
الخاص في حالتنا نحن المواطنين العرب في إسرائيل هو أننا مهمشون في هذا الواقع الاجتصاسي من الجهة العربية-الفلسطينية ومن الجهة الإسرائيلية وكأننا أبناء غير شرعيين لدوائر انتماءاتنا.
المؤسسة الرسمية الإسرائيلية تعتبر المواطنين العرب جسما غريبا يجب تحجيم وجوده إن لم يكن اقتلاعه وبطبيعة الحال لا ترى بنفسها راعية لمصالحه وحقوقه بل حتى تشكل بسياستها تهديدا لوجوده وحقوقه. منظمة التحرير وكذلك السلطة الفلسطينية لا تأخذان قضايا المواطنين العرب في حساباتها وسياساتها. الدول العربية كل منها منفردة ومن خلال جامعة الدول العربية أيضا لا تعالج قضايا المواطنين العرب وحتى ترفض وجود أو تمثيل المواطنين العرب في أي تنظيم أو مؤتمر عربي قطري أو قومي بحجة كاذبة: "مقاطعة إسرائيل".
وهكذا نبقى رقما منسيًا أو مهمشًا في جميع المعادلات السياسية بين الأطراف في المنطقة دون أن يكون لهيئاتنا التمثيلية أي دور أو موقع في مواقع اتخاذ القرارات الاجتصاسية الإسرائيلية والعربية، بل وتقتصر المشاركة فقط من خلال تشاور غير رسمي أو دعوة شخصية سياسية أو ثقافية لهذا المؤتمر أو ذاك.
لهيئاتنا التمثيلية وأحزابنا موقف ومواقف من قضايا المساواة والقضية الفلسطينية وقضايا السلام في المنطقة. لمثقفينا ومؤسساتنا الثقافية رأي أو أكثر في النقاشات الدائرة في العالم العربي حول الحداثة والأصول وحول الموقف من الغرب ودور الدين في المجتمع وقضايا المرأة والشباب وغيرها. لنا موقف ورأي أو أكثر بالقضية الإيرانية والدور الأوروبي والصيني والياباني. لنا موقف في جميع هذه القضايا ولنا مصالح واضحة يجب العمل على صيانتها من خلال الوصول إلى مواقع اتخاذ القرار على مختلف الأصعدة الإسرائيلية من جهة والعربية-الفلسطينية من جهة أخرى ومحاولة التأثير هناك والانخراط في الحراك السياسي والاجتماعي والثقافي.
من خلال قراءتنا لهوياتنا وانتماءاتنا ومن خلال حرصنا على مصالحنا نحن العرب-الفلسطينيون الباقون في وطنهم علينا الخروج من حالة التهميش المضاعف: من الطرف الإسرائيلي ومن الطرف العربي-الفلسطيني، والعمل على تجسيد هوياتنا بالكامل هنا وهناك. علينا العمل على ممارسة مواطنتنا الإسرائيلية حتى النهاية باعتبارها حقًا وليس عبئا، كما يدعي البعض، وأخذ دورنا الكامل في تشكيل سياسة الدولة وهويتها بما يتمشى مع واقعنا كأقلية وطن أصلانية. ومن جهة أخرى العمل على ممارسة هويتنا العربية والفلسطينية من خلال وجودنا في مواقع اتخاذ القرارات العربية والفلسطينية. من هذا المنطلق أطلقتُ قبل أكثر من عقد دعوة لتمثيل المواطنين العرب في منظمة التحرير والتي استهجنها البعض. منهم من اعتبرها تتناقض مع مواطنتنا ومنهم اعتبرها تقرّبا من مؤسسات وأنظمة بالية أو رجعية.
//زيارة ليبيا:
لقد سبق ورافق زيارة الوفد إلى ليبيا كثير من المقالات والتعليقات التي تناقش موقفنا من هذه الزيارة. أعتقد أن هناك إجماع على أن الأنظمة العربية، رغم الاختلافات فيما بينها، هي أنظمة رجعية تقمع شعوبها ومعظمها يهادن أو يتحالف مع قوى معادية للقضية العربية والفلسطينية. وفي المقابل هناك إجماع بأن الشعوب العربية هي ضحية هذه الأنظمة وأن في كل بلد عربي توجد حركات وأحزاب وتنظيمات وشخصيات يمكن اعتبارها ثورية إلا أنها مقموعة أو محجمة في بلدها. من هنا علينا التمييز بين زيارة لنظام عربي وبين زيارة لبلد عربي حتى لو كانت هذه الزيارة تمر من خلال قصر الرئاسة. وعليه إذا كانت الدعوة الصادرة من الرئيس الليبي تتيح الفرصة، أو ستتيحها مستقبلا، لزيارة ليبيا بلدا وشعبا بما فيها تواصل ولقاءات مع شخصيات وهيئات ثقافية واجتماعية فما المانع من مثل هذه الزيارة. بل سيكون هذا التواصل هو التجسيد الفعلي للشق القومي من هويتنا وهو العلامة الفارقة بين التطبيع مع إسرائيل وبين التواصل بين أبناء الشعب الواحد.
في هذا الإطار علينا التمييز أيضا بين تواصل حزب عربي مع نظام عربي معين بهدف خدمة الحزب، وبين زيارة هيئة تمثيلية كلجنة المتابعة أو اتحاد الكتاب أو نقابات المعلمين أو شخصية ثقافية والالتقاء مع هيئات وتنظيمات سياسية واجتماعية وثقافية في ذلك البلد العربي. علينا التمييز أيضا بين تلقي دعم مادي أو غيره لحزب معين، أو تلقي دعما لإقامة مشاريع ثقافية واجتماعية تعزز صمودنا وبقائنا في وطننا.
بناء على هذه المعايير، حين يتشكل الوفد الذاهب إلى ليبيا من مختلف الأطياف السياسية والاجتماعية، ويشمل برنامجه لقاءات، أو يمهد للقاءات، مع هيئات وشخصيات من خارج دائرة الولاء لقصر (خيمة) الرئاسة، ويسمع هذا الوفد رأي أو أكثر بما يتعلق بقضايانا في الداخل وأيضا في قضية السلام وقضايا سياسية واجتماعية أخرى، ويعمل الوفد على تلقي دعما للمصالح العامة للمواطنين العرب في إسرائيل - عندها ستكون هذه الزيارة خطوة هامة نحو الخروج من حالة التهميش وتجسيد هويتنا العربية في أرض الواقع العربي.
التواصل مع العالم العربي ليس "رقصا في عرسين" كما يدعي البعض، بل ممارسة طبيعية لانتماءاتنا المركبة، وهو ليس تنصلا من مواطنتنا الإسرائيلية، مثلما أن تمسكنا بمواطنتنا لا يعني التخلي عن انتمائنا القومي، وهو وليس دعما لأنظمة عربية رجعية مثلما أن تمسكنا بمواطنتنا وممارسة هذه المواطنة في الدولة لا تعني دعما لسياسة الاضطهاد والعدوان. حان الوقت للعمل على الخروج من حالة التهميش المضاعف والوقوف برأس مرفوع في الساحة الإسرائيلية والساحة العربية. من جهتنا يجب أن نعمل ليكون لنا صوت وموطئ قدم في الهيئات والمؤسسات والاتحادات التمثيلية العربية والثقافية والمهنية العابرة للدول كإتحادات الكتاب والمثقفين واتحادات المرأة وغيرها، وأن يكون لنا تمثيل في الهيئات التمثيلية الفلسطينية مثل منظمة التحرير الفلسطينية. وإذا كانت هذه الهيئات تتطلب إعادة بناء فيجب أن يكون لنا دور في هذه العملية أيضا. هكذا تترجم هويتنا وانتمائنا إلى ممارسة فعلية في أرض الواقع العربي والإسرائيلي.
